السياسة السعودية تجاه العراق منذ قبل سقوط العراق حتى الآن:


السياسة السعودية تجاه العراق منذ قبل سقوط العراق حتى الآن:السياسة السعودية تجاه العراق منذ قبل سقوط العراق حتى الآن:
كتب: د. صالح السعدون
السياسة السعودية في مستوى الإقليم العربي تتشابه في زاوية من زواياها (التمدد خارجياً والانكماش نحو الداخل) السياسة الأمريكية على مستوى العالم، فنجد أن نيكسون ومن بعده فورد الجمهورييْن قد ركزا جهد أمريكا في فيتنام والحروب الخارجية، بينما جاء كارتر الديموقراطي ليعيد بناء اقتصاد أمريكا الذي خربته الآلة المدمرة للعقل الجمهوري الماسوني المؤمن برائحة الدماء والرقص صلولي دانص على رائحة الدماء العربية والآسيوية، ما عدا التغيير الناعم في إيران بما يخدم إسرائيل تحديداً، ثم عادت آلة الجمهوريين 12 سنة في عهدي ريغان وبوش الأب ليسقطوا الاتحاد السوفييتي ثم دمروا العراق وبدأوا في تهديد سوريا والعرب، ثم جاء كلينتون الديموقراطي ليبني اقتصاد أمريكا المنهك بترليون دولار بسبب تفاهة عقلي بوش وريغان ومغامراتهما كبطلين أحدهما متأثر بالكاوبوي، والثاني لخدمة الماسونية الدموية بشهوانية عجيبة للدماء، ونجح في ذلك لكنه سلم أمريكا –وليس الأمر إليه بالطبع- لأغبى شخصين على وجه الأرض بوش الابن وديك تشيني، وجاء بعدهما أوباما الديموقراطي مع فشل سياسي واقتصادي كبير.
السعودية كذلك تسير دون أن تخطط لذلك على نفس المنوال، فقد انكفأت على نفسها بسبب الأزمة المالية في آخر عهد الملك سعود عليه من الله الرحمة، وفي عهد الملك فيصل رحمه الله بدأ في شحن الميزانية بالمال عبر ترشيد الإنفاق، وقد تمكن الملك فيصل من نجاح اقتصادي مبهر رغم أنه عاد إلى الساحة الإسلامية متأخراً بقوة منقطعة النظير ورفع أسهم السعودية في العالمين العربي والإسلامي.
جاء الملك خالد رحمه الله فانكفأت السعودية على نفسها، ما عدا في مجال المساعدات للدول الشقيقة، اتجهت السعودية في عهده نحو إصلاحات وبناء وطفرة مالية وإنشائية، ومع آخر عهد الملك خالد وبأسلوب ولي عهده الملك فهد-فيما بعد- كما في عهد الفهد رحمه الله اتجهت السعودية للميادين العربية والاسلامية والدولية، بدء من الحرب العراقية الإيرانية، إلى المسألة اللبنانية، وصولا للاستحواذ على أرامكو، وبناء علاقات استراتيجية مع الصين الشعبية، وتحرير الكويت، ومع ذلك فقد نتجت حرب تحرير الكويت عن مديونية عظيمة على السعودية بلغت أكثر من ترليون دولار ولم تسدد فاتورة تلك الحرب إلا في عام 1997م، وعليه انكفأت السياسة السعودية للداخل والترشيد طوال الثلث الأخير من عهد الملك فهد، والابتعاد عن التأثير في المجالات السياسية الخارجية في العالم في عهد الملك عبدالله رحمة الله عليه إلا مالا تستطيع تجاهله وخاصة عمليتين خاصتين باستعادة مصر من الربيع العبري واسقاط أسعار البترول. والمشاركة بجهود الدول العشرين لمعالجة الأزمة العالمية، فضلا عن نجاح الملك عبدالله في شحن الرصيد المالي للسعودية بما يزيد عن سبعة ترليون دولار.
ومع العهد الجديد للملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن نايف وقبل تسلم الأمير محمد بن سلمان لكثير من المسئوليات القيادية، اتجه الأمير محمد بن نايف بذكاء ودهاء وخبرة وتجربة عظيمة وبدعم من الملك سلمان إلى السياسات الخارجية، كان من المقدر أن يبز عهد المك سلمان فيما لو استمرت سياساته وخططه كل العهود السعودية السابقة عدا عصر المؤسس الملك عبدالعزيز، اتجه ولي العهد في عمليات سياسية وعسكرية ودبلوماسية معقدة ودقيقة التخطيط أبهرت العالم واتجهت مخططات ولي العهد تحت قيادة الملك سلمان نحو وضع السعودية كدولة كبرى سابعة في العالم مع الدول الخمس+ ألمانيا فيما لو استكملت تلك السياسات كافة متطلباتها والوقت الذي تحتاج لإنجازها. فعملية حرب عاصفة الحزم، والتوجه إلى التحالف السياسي والعسكري والتفاهم الاقتصادي مع روسيا والصين، فضلاً عن قطار الشرق بين موسكو والرياض عبر بكين وإسلام أباد. واستئجار قاعدة بحرية بجيبوتي وإقامة الاتحاد غير المعلن مع الامارات والبحرين ثم اقامة التحالف العربي كل ذلك كانت سياسات الثنائي محمد بن نايف وبندر بن سلطان تحت ظل قيادة الملك سلمان، كانت تلك السياسات والخطط ستجعل السعودية وحلفاءها أخطبوط يسيطر على العالم.
لكن ذلك التوجه تم طي سجله في أقل من عام، في أكبر خسارة منيت بها الأمة منذ بدء الربيع العبري، لأنه كان سيشكل أكبر عملية نهوض للأمة العربية والاسلامية وإفشال لمخططات الغرب وإيران ضدها، بيد أن ذلك كله الآن رفع فوق الرف وأصبح ليس في ذمة السياسة بقدر ما هو في ذمة التاريخ. فقد اتجه الأمير محمد بن سلمان في ظل رغبة الملك سلمان واتجاهاته الجديدة بعد عام من سياسات الحزم ومنذ زيارة تركيا نحو الانكفاء سريعاً نحو الداخل، وقلل من الاهتمام بالسياسات الخارجية وخاصة ذات الطابع العسكري، ولعله لولا أن حرب اليمن قد بدأت لربما لن تبدأ. ومنح ولي ولي العهد الأمور الاقتصادية اهتمامه كله. واختار سياسات الملوك سعود وخالد وعبدالله على السياسات التي خطها الملوك عبدالعزيز وفيصل وفهد وسلمان(في ثمانية الأشهر من السنة الأولى لحكمه).
هذه هي الصورة الكبرى الموسعة للسياسات والتاريخ الحديث من خلال منظور واسع ومختصر.
وهنا نأتي للسياسات السعودية تجاه العراق، فقد كان الأمير سعود الفيصل حذر أمريكا في عهد بوش وقبيل حرب بوش على صدام حذر الأمير سعود الفيصل الرئيس بوش بنوع من النصيحة بقوله: ” بأنه سيحل مشكلة واحدة ويخلق خمسة أخرى إذا سقط صدام حسين” ولقد كان بوش يريد أن يخلق خمسة مشاكل أخرى على الأمن العربي ولصالح إيران وإسرائيل، ولم يكن وهو الغبي بما يكفي لم يكن قد فاته أنه سيخلق ألف مشكلة جراء اسقاط صدام حسين، وبقيت سياسات الملك عبدالله حذرة إلى أبعد حد فرغم رفضه المشاركة بأي نوع في إسقاط صدام حسين وأخرج الأمريكيون من القواعد التي منحت لهم مؤقتاً من أجل حرب تحرير الكويت وأخرجهم لقاعدة العديد قبل ثلاثة اسابيع من بدء حرب 2003م واحتلال بغداد ثم استعمار العراق، لكن بقيت إدارة السياسة السعودية بعيدة عن المواجهة في الخارج وانكفأت للداخل.
وكانت القيادة السعودية في عهد الملك عبدالله قد قابلت العديد من شخصيات أهل السنة وزعماء القبائل العراقية يدعون السعودية للتدخل ضد الاستعمار الإيراني الجديد، وكان الملك عبدالله وفق سياسة الحذر وعدم فتح المجال لتلك السياسات، ومع العهد الجديد في ظل عام 2015م. وفي عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز ومحمد بن نايف وقبل بروز دور الأمير محمد بن سلمان بالسياسة الخارجية، وطي المخططات التي سبق أن تحدثنا عنها في تغريدات ومقالات في العام الماضي أمر الملك سلمان ولي عهده بتصميم السياسات الخارجية والعسكرية للعهد الجديد، نظر السعوديين باعتبار العراق بلد محتل من قبل إيران وأصبح منطقة نفوذ إيراني يهدد كل من العراقيين السنة والسوريين واللبنانيين بل والكويت والسعودية، ومنطلقات ذلك التهديد طائفية بحتة، وبدأ السعوديون يفكرون جدياً في التدخل السياسي والعسكري بالعراق للطرد النفوذ الإيراني.
واستعان الأمير محمد بن نايف برجال دهاة أمثال الأمير بندر بن سلطان، وآخرون وصمموا سياسات مدهشة منها:
1- حرب اليمن وتحريرها من إيران وصالح والحوثي.
2- حل مشكلة سوريا عبر تسليم السلطة سلمياً من بشار الأسد لمناف طلاس.
3- التدخل بالعراق وتحريرها من الاستعمار الإيراني ومن داعش الإيرانية.
4- تحرير عربستان (الأحواز) وبلوشستان وآذربيجان.
5- تفكيك إيران كدولة عرقية غير متجانسة يسيطر الفرس على مقدرات الشعوب الأخرى وإخضاعهم بالقوة والسطوة والعنف ويسرقون منهم حتى قوت يومهم كعادة الفرس في كل عصر وزمان.
6- تحرير الجزر الإماراتية.
لكن فجأة وفي وقت كانت البلاد تتجه نحو كونها قد فرضت نفسها كدولة عظمى، توقف هذا الزخم وبدايةً من زيارة الملك وولي ولي العهد لأنطاكية في تركيا، بينما كان ولي العهد يتمتع بإجازته في الجزائر.
توقف الزخم الخارجي واتجهت السعودية لعلاقات غير مفهومة لتخلط بين المر والحلو، وبين السكر والحنظل، وبين المستحيل والمحال، بين مصر وتركيا وبين إيران والعراق، وبين الإمارات -البحرين وبين قطر، فتجمدت علاقات السعودية بروسيا وتأثرت علاقاتنا بالصين، وبدأت روسيا تصدر إشارات ضغط بطول صبر وتؤدة، مع اعتذار مستمر للملك سلمان في تلبية الدعوة التي وجهت إليه مراراً من الرئيس الروسي بوتين. لكن الذي يبدو أن هناك اتفاقاً عاما على ابقاء الأمور في أقل ما يمكن أن تكون عليه، بدلا من القطيعة.
أوقف ولي ولي العهد سياسات الأمير محمد بن نايف-الأمير بندر تجاه تفكيك إيران، وصرح ردا على سؤال حول احتمالية حرب إيرانية–سعودية: “هذا أمر لا نتوقعه مطلقاً، ومن يدفع بهذا الاتجاه فهو ليس في كامل قواه العقلية، لأن الحرب بين السعودية وإيران تعني بداية كارثة كبرى بالمنطقة، وسوف تنعكس على بقية دول العالم، وبالتأكيد سوف لن نسمح بذلك”(الشرق الأوسط، عدد 24 رجب 1437هـ).
وهنا يرد التساؤل السياسي: هذه العقيدة السياسية العسكرية الجديدة التي انكفأت من خلالها السعودية للداخل تعني الغاء كل ما سبق في السنة الأولى لعهد الملك سلمان. فهل يعني أن القيادة السياسية قد أوقفت زخم سياسات الحزم التي لم تستمر إلا لبضعة أشهر فقط؟!.
في السنة الماضية أعد كل شيء، تواصلت الاستخبارات الخليجية والعربية مع مكونات أهل السنة بالعراق، وزودت المقاومة العراقية بالسلاح والخطط، واتفق مع العبادي والصدر ومكونات أخرى عراقية على البدء في ثورة تحرير العراق من حاكمه الحقيقي قاسمي سليماني. وكان من النفترض اتخاذ حرب داعش سبباً لتحرير العراق من براثن داعش+ الحشد الشعبي+ الحرس الثوري الإيراني وإعادة بناء العراق دون تطهير لمكونات أهل السنة في المدن السنية. وحين قامت مناورات رعد الشمال ظن الناس أنها بداية تحرير العراق، وقال البعض” أن هناك قوات سعودية وباكستانية تقترب من منطقة عرعر على الحدود مع العراق وانباء عن نيتها الدخول الى محافظة الانبار لمطاردة داعش”.
على أنني أتوقع أنه في ظل تصريحات الأمير محمد بن سلمان اليوم في الشرق الأوسط فقد تم تجميد كل الخطط السابقة وأن هناك أياد عربية خيرة تدعم المخطط السابق ولذلك نجد أن العبادي والصدر ماضون في خططهم دون دعم رسمي عربي. مقتدى الصدر والمجموعة العازمة على الإصلاح متجهة بدعم من مسئولين عرب أو دول غير السعودية الآن ولذلك فالأزمة ان لم تستغل الآن فستنتكس وستنعكس السياسات السعودية إيجاباً لصالح الربيع العبري الذي جانب منه يخدم إسرائيل وأمريكا والجانب الثاني يخدم إيران، وعليه فسنعود إلى نقطة الصفر كوننا لا نريد المواجهة مع إيران.
العراق تغلي ويشعرون انهم محتاجين لأي دعم للانقضاض على كل ما يتعلق بإيران في العراق وكما رأينا أن قام سائق سيارة وفود تابعة الى وزارة النقل العراقية المدعو “اركان جبار بداي” باختطاف مواطنة ايرانية “محبوبة أبو الفضل غلام” البالغة من العمر 38 عاما في شارع مطار بغداد الدولي واغتصابها داخل باص لنقل الوفود نوع مرسيدس ولاذ بعدها بالفرار. ونقلت الى أحد المستشفيات من اجل اجراء الفحوصات الطبية اللازمة للاطمئنان وضعها النفسي والجسدي بعد ان تم اجبارها على ممارسة الجنس داخل السيارة.
اتمنى أن تكون دول عربية كمصر أو الامارات أن تكمل السياسات السعودية التي توقفت في الموضوع العراقي لأن استثمار ما يجري بالعراق مهم للغاية لأمن واستقرار المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين والكويت.
د. صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة