السلطان عمير بن راشد آل راشد/ سلطنة نجد والأسياح 911-1111هـ

سلطنة نجد والأسياح بين عام 911-1111هـ:

السلطان عُمير بن راشد آل راشد

سلطنة آل راشد (ديرة أولاد عمير):

بحث تاريخي للدكتور صالح السعدون آل راشد:

بعد أن بدأت الحرب بين الأساعدة وأبناء عمومتهم المزاحمة بفتنة جارة الأساعدة البقمية، اشتدت الحرب حتى كادت أن تفني الأساعدة، وعليه قرروا انتخاب ملكاً عليهم يدير شئونهم، فوقع اختيارهم على: راشد بن قراض بن أسعد بن محمد بن جلهم بن طلحه بن روق بن عتيبه بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن وأسعد هو الذي ينتسب له فخذ الاساعدة من الروقة من قبيلة عتيبة الهيلا ([1]) ، وكان ذلك الانتخاب والاتفاق والبيعة في عام 835 هجري، حيث تمكن الملك راشد من تهدئة الحرب أولاً مع بنو عمومتهم، ثم التجهز للانتقال من ارهاط بعد إقرار الصلح، واتجه الملك راشد بن محمد بن قراض بالأساعدة ومن دخل معهم في بيعته من الروقة  إلى منطقة إسمها (كشب) وهي في منتصف الطريق بين الطائف والدوادمي تقريباً، واستقروا بجوار الماء والمرعى سنين طويلة، وكان بنو لام يملكون أوضاخ، قرب الدوادمي وهي عقدة تجارية كبرى تربط طرق التجارة بين عمان ودبا وجنوب الخليج مع الحجاز، وتربط اليمن مع نجد وشمال الخليج والعراق، كما تربط جنوب جزيرة العرب بشمالها، في حدود عام 870-880هـ طغى بنو لام وزادوا قيمة الضرائب وهاجموا الحجاز مما جعل القبائل تقيم تحالفات بينها للحد من تجاوزات بني لام، وكان الملك راشد قد كبير فسلم رايته لابنه الأكبر حمدان أو حميدان والملقب بالحميدي. فأدخل أفخاذ عتيبة بالحلف قاطبة، ثم دخل معه عبدة والضياغم وزبيد وسنجارة، وفي عام 880 هـ التقى حلف عتيبة مع القبائل القحطانية ببني لام في معركة أوضاخ وكانت معركة كبرى سقط فيها ملك بنو لام سقوطا مريعاً، وتفرقوا بين قرى نجد بأسرهم.

دخل الملك الحميدي أو حميدان بن راشد مدينة أوضاخ التي كانت تخربت من الحرب، وسكنتها قبائل الروقة من عتيبة، وجاورهم حلفاءهم من القبائل القحطانية بين عام 880- 903 هجرية. حين حدثَ حدثٌ كبير في الأسياح غير من طرق التجارة والقوى في جزيرة العرب.

فقد كان أمير المدينة المنورة عام ٨٨٨ – ٩٠٠ هجرية هو حسن بن زبيري الشريف. كان شاباً وسيماً شجاعاً ومغامراً ومخططاً استراتيجياً في عصره. كان كارهاً كشريف حسيني بالمدينة خضوعه للأشراف الحسنيين بمكة المكرمة. فقرر التخطيط لسلطة بعيدة عن حكم أبناء عمومته. ساح في نجد وأعجبته الأسياح(النباج) لما فيها من عيون مائية تسيح وتسح على الأرض. وضع خطته كما يلي:

1-قام بالسطو على غرفة الزيت بالمسجد النبوي ومصادرة كنوز الذهب فيها

2-سك الذهب بأنواعه من هدايا ملوك الهند وفارس والمغرب عملة ذهبية يستخدمها في مشروعه. 3-قابل شيخ قبيلة كردية في موسم حج. أعجبه جمال ابنته وعزوة رجاله وكثرتهم . فعرض عليه مشروعه.

4-تضمن المشروع أ) ان يتزوج الشريف حسن بن زبيري ابنة الشيخ الكردي واسمها سخبناهدا بنت عبرتان بن سنهور الكردي.

ب) وان يمد الشيخ الكردي الشريف بألف جندي مسلح مدججي التسليح بالطريقة التركية والكردية مدفوعة رواتبهم من قبل الشريف.

ج) وان يمده بمهندسين بنائين متخصصين ببناء القلاع والسدود.

سك الشريف حسن الذهب والتقى بصهره وتزوج بكريمته ام ابنه برزان وسار بجموع جيشه ألف مقاتل وجموع من المهندسين والبنائين من شمال العراق إلى الأسياح بالقصيم. درس المختصين ببناء الحصن موقع قصر مارد ب الأسياح وهو غير قصر مارد في دومة الجندل والذي يبدو انه أعجب بالاسم إبان مروره في دومة الجندل قادما من العراق. بينما درس المتخصصين بالسدود حفر العيون لزيادة انتاجيتها من المياه ثم حفر النهير او الساقي ثم وضع السد، سد (المسكر) وبدا العمل في وفرة من الذهب الذي غطى كل تلك المشاربع بينما بدأ جيش حسن بن زبيري الكردي يضم المدن والقرى مابين جنوبي نجد حتى دومة الجندل وأطلق على سلطنته إسم سلطنة مارد وقصره قصر مارد وأطلق على نفسه لقب سلطان مارد. ونظم الجمارك وعدل طرق التجارة. ثم استدعى بعض القبائل للسكن بمعيته في السلطنة في عاصمتها الأسياح

 

استدعى الملك عُمير بن راشد أمير او ملك عتيبة، حيث بايع الأساعدة والروقة وتلاهم برقا -كما ذكرنا-والده راشد بن محمد الاسعدي ملكاً عليهم في عام ٨٣٥ هجرية. وبعد توقف حرب الأساعدة مع أبناء عمومتهم قرب رهاط والتي كادت تفنيهم قرر راشد بن محمد المغادرة من رهاط بجموع الاساعدة وبعض الروقة نحو منطقة (كشب) وهو موقع ثري بالمراعى اللازمة لقبيلة بدوية. وتقع كشب بين الطائف وأوضاخ. أوضاخ كانت عقدة تجارية مهمة يحكمها بني لام قرب الدوادمي التي بدأت افخاذ الروقة من عتيبة الانسياح حولها. وتجبر بنو لام ورفعوا الضرائب على التجارة بين اليمن ونجد والعراق وبين الخليج والحجاز. فبدأ الصراع بين الاطراف المستفيدة والمتضررة. كان راشد قد كبر او توفي وبويع مكانه ابنه الاكبر حميدان ملكا. شكل حميدان بن راشد بن محمد الأسعدي حلفا ضم سنجارة وعبدة وزبيد وترأسهم عتيبة الروقة، ودارت معركة اوضاخ في ٨٨٠ وليس كالخطأ الشائع انها في ٩٨٠ هجرية. وانتصر حميدان بن راشد، وتفرق بنو لام ودخل الحلف أوضاخ. بيد ان حسن بن زبيري بقوته قام بتغيير تركيبة طرق التجارة والجمارك. فكسدت تجارة اوضاخ. فاستقدم حسن بن زبيري عتيبة وعبدة بقيادة الضياغم وبقية الحلف العسكري الى الأسياح بعد عقدين من انتصارهم بمعركة أوضاخ، ونالت عتيبة أفضل المواقع كقيادة للحلف قرب النهر. مما تسبب بالتنافس بين أطراف الحلف. وذلك في عام ٩٠٣ هجرية. تنازل حميدان بن راشد عن الملك لصالح أخيه عمر بن راشد بسبب إصابته بالصمم حيث جرح في إحدى المعارك. وكان يطلق على عمر اسم عُمير لقصر قامته. وكانت أخته عُميرة التي هي (ميثاء بنت راشد) ذات جمال أخاذ.. فرغب حسن بن زبيري الزواج منها كزوجة ثالثة، رغم أنها كانت متزوجة.. وذلك عام ٩١١ هجرية. رفض آل راشد والاساعدة طلاق ابنتهم من ابن عمها وقرروا الفرار بابنتهم ميثاء الراشدية الأسعدية العتيبية الى الكويت والعراق. لكن حسن بن زبيري غضب غضبة عجيبة ولاحقهم في منطقة الصريف بين الكويت والقصيم. كان آل راشد في قلة عدد قيل أنهم حوالي (40) رجلاً فقط، لأنهم لم يستعدوا للحرب، وقبيلة عتيبة متفرقة في المراعي، متباعدة، وجلهم في الحجاز حينئذ. بينما كان حسن بن زبيري الشريف يمتلك قوة ألف فارس كردي، وحوالي ٣٠٠٠ من حلف القبائل القحطانية عبدة وسنجارة وزبيد بقيادة الضياغم.

بدأت المعركة واستمرت أربعين يوما.. حتى علم فرسان عتببة بالمعركة فتسارع فرسانها وهبوا من كل حدب وصوب نحو ملك عتيبة. وكانوا يتكاثرون ساعة بساعة. ومقابل ٤٠٠٠ مقاتل مع الشريف سلطان مارد بلغت قوات عتيبة ٣٠٠٠ رجل في رواية و٨٠٠٠ رجل في رواية أخرى وفق قصيدة الفارس عرار بن شهوان. كان عمير بن راشد كالقعقاع في زمنه. وفنى فرسان الأكراد او كادوا خلال ٤٠ يوماً من القتال. فقرر الشريف حسن بن زبيري الدخول للمعركة بنفسه كفارس وهو شجاع لا يشق له غبار. بادر الأخ الأكبر للملك عمير بن راشد والذي تنازل عن الملك بسبب صمم أصابه. بادر للقاء الشريف حسن بن زبيري. في حرب لم يكن يجب ان تكون، التقى الفارسين وضربا بعضهما ضربتين قاتلتين اما حميدان بن راشد فقد استشهد في ساعته اما حسن بن زبيري فقط أصيب بضربة قاتلة صار ينازع الموت فتوقفت المعركة ([2]).

انسحب من بقي من الأكراد وحلفاء حسن من الضياغم وزبيد وسنجارة وعبدة إلى قصر مارد بالأسياح، بينما بدأت عتيبة دفن شهدائها. في الصريف. ثم زادت جموعها في ٩١١ هجرية واتجهوا لحصار قصر مارد. لم يعد الشريف حسن بن زبيري الا قادراً على كتابة وصيته، فطلب من رجلين من الضياغم او عبدة ان يتزوجا من زوجتيه الشريفة ام براز والكردية ام برزان ومن ثم بدأت عتيبة تسير بجموعها من الصريف أرض المعركة بعد دفن الشهداء نحو قصر مارد لمحاصرته، وصارت تحطم بقصر مارد وتدكه من كل جوانبه، فمات الشريف حسن بن زبيري رحمه الله في تلك الاثناء. وتصالح حلفاءه القحطانيون والأكراد مع عتيبة على مغادرة القصر بأمان نحو وادي الرمة في طريقهم لجبلي أجا وسلمى، وذلك قبل تأسيس حلف قبيلة شمر بعد سقوط حلف الفضول من بني لام. كانوا بالطريق الى حائل. بينما غير عُمير بن راشد لقبه بعد دخول قصر مارد من الملك الى السلطان. وورثت عتيبة سلطنة مرتبة، وكأنما أراد القدر أن يقوم الشريف العبقري حسن بن زبيري بما قام فيه بين ٩٠١ الى ٩١١ هجرية فقط من أجل تسليم السلطنة لآل راشد.

لم تتسع سلطنة آل راشد خارج القصيم كثير. الا الى حدود الزلفي جنوبا ودون جبل شمر شمالا. لكنهم تمكنوا من كسب ثقة القبائل والحجاج والتجار في تأمينهم بين الأحساء والحجاز وبين جنوبي نجد واليمن والعراق وصار العتيبي الواحد من خلال الخاوة يؤمن قافلة كاملة. انتصر آل راشد وحافظوا على إبنتهم ميثاء بنت راشد الأسعدية العتيبية مع زوجها. وورثوا سلطنة ثم إمارة الأسياح بين ٩١١ حتى ١١١١ هجرية. حين سقطت إمارتهم، وتفرقوا بين الزلفي والأسياح والقصيم والتنومة وبقعاء وسكاكا والعراق ([3]).

كانت معركة الصريف الأولى أو معركة أبرق السيح عام 911هـ بين جيشين غير متكافئين في بداية المعركة؛ وكما أنهما غير متكافئين في نهايتها، الجيش الأول: يقوده الشريف الحسيني أمير المدينة المنورة السابق حسن بن زبيري؛ ومعه ألف جندي كردي مدرعين بالدروع لكامل الجسد، وبجانيهم ثلاثة آلاف من الضياغم وعبدة وزبيد وسنجارة، ضد ملوك عتيبة حينها الملك عمر الشهير بـ(عُمير) بن راشد آل راشد وأخوه حميدان مدافعين عن جميلة من جميلات الأساعدة من الروقة من عتيبة ميثاء بنت راشد، التي كانت من أجمل نساء عصرها على الإطلاق، يحاول الضياغم بكل الوسائل جعل آل راشد الأساعدة من الروقة من عتيبة بأنها ضيغمية وأن آل راشد ضياغمة، وقد نفى مؤرخ العراق العزاوي ذلك حين قال: “وإن زَعْمَ [أن] آل راشد أخوة الرشيد من شمر لا يؤيده تاريخ، بل جاء التاريخ بما يطعن بصحة هذا القول، والاتفاق في الأسماء لا قيمة له”([4]).

وقد كانت ميثاء واسعة العينين، قصيرة كأخيها عُمير، ومتعلقة فيه وبفروسيته وبكرمه، ولذلك كانت أسرتها تلقبها عُميرة لشدة مدحها غير المحدود لأخيها عُمير، حيث قالت في معلقتها القصيرة مادحة أخيها أمام أخطار خطفها وأسرها وصفاته ومناقبه:

عليها بلا جهلا عمير بـن راشـد        أخوي الذي تشكي العدا من فعايله

أخوي الذي عز الجنين عن أمه           أخوي الذي عز الفتى عن حلايله

أخوي الذي ما جابن البيض مثلـه         ما هوب غرجاضٍ يـوازي حمايلـه

أخوي ليا مشى يمشي مكنهر            على روضةٍ قفرى تهاوى رحايله

محنّي خشوم الفوس من شمخ الذرا      عمير ليا عيا على الحـب كايلـه

ليا هبت النكبا وقـل وابـل الحيـا                 تلقـى عميـر كاثـرات نزايـلـه

ليلن نهارن من دخاخين بيته                 ليل نهارن من مصالى شعايله

وحنا الذي نكتال بالصـاع وافـي            واللـي يعادينـا هافياتن مكايلـه

ولا حربن الا حربنا يا آل راشد             جاسن ورصراصن بضلعن هبايله

ولا طيبن الا طيبنا يا آل راشد             وطيبن بلا صبرن فلا احدن بنايله

وكانت عُميرة أو ميثاء بنت راشد الأسعدية تنظر للخلف وأهلها يحثون الخطا نحو العراق عبر الكويت، خوفا من وقوعها بالأسر، وحين رأت جموع جيوش الشريف حسن تملأ الصحراء صاحت في رعب وخوف وكما ورد على لسان أخيها الملك عمير بن راشد:

وتقول ميثا يا آل راشـــــــــــــــد يا هلي ** الـــــروم لحقــــونا بغير حســـــــاب

كانت تصيح الروم لحقونا فهيا أسرعوا الخطى، كانت تعلم أن هذه الحرب تستهدفها لجمالها، وأنها هي من سيدفع الثمن في فراقها لابن عمها وزوجها عمران آل راشد، وكلمة الروم كلمة عند بادية عتيبة ونجد تعني كل ما هو كردي أو تركي.

فيرد عليها أخيها الملك عمير بكل ثقة:

اليا رفعت الصوت لعيال راشــــــــــد       *** لا صواتهم حـــــــــــدر العجاج صلاب

لكن ذيول الشقر من تحت آل راشـد *** شختور صيف هــــــــــــل من سحـاب

كان آل راشد يختصون بخيل يطلق عليها “دهم آل راشد” وأحيانا بـ”شقر آل راشد”، دون غيرهم من القبائل. وكانت ميثاء تتمركز وسط صفوف زوجها وأخوتها وأبناء عمومتها وعزوتها مزغردة مشجعة لهم بالقتال وهي تعرف مصيرها أن هزموا، في انتظار فرسان عتيبة الذين تمقطروا عبر الصحاري من كل ريع ووادي، فكان الملك عُمير يطمئن في أخته ميثاء ويقول:

ما الناس إلا في بنــــــوك معـــــادن  ***  وما طــــاب من بنك المعــــــادن طاب

عمى الراي ما يجـلا به الطـب والدوا ***  عمى الراي ما دام الغـــــــراب غراب

وتقول ميثا يا آل راشـــــــــد يا هلي   ***      الـــــروم لحقــــــونا بغير حســاب

اليا رفعت الصوت لعيال راشــــــــــد   ***  لا صواتهم حـــــــــــدر العجاج صلاب

لكن ذيول الشقر من تحت آل راشـد *** شختور صيف هــــــــــــل من سحـاب

انا خوك يا ميثا وانا ابن راشد           ***                حلفت ما يصك دونك باب

وذبحت بالبرقاء ثمانين ملبس ***                       غير العواري مالهن حساب

أنا جامع قِصْر ببصرن ومرجلة      ***                وراعي طعنات مالهن احساب

ليا قضبت السيف بالكف لا تخف                ***           علي لو الجموع أحزاب

وانا كما حبس ليانثنى واقبلن              ***           وترى قصري للرجال عذاب

تلاقوا بحــــــد الدمث والرمث والغضا***      وحــــــــــــــد قويرات الصريف نصاب

 

لقد تحمل الملك عمير وفرسان آل راشد الصد والصدمات الأولى في الأيام الأولى للمعركة مع أخوته وأبناء عمومته، انتظارا لنجدات أتباعه من فرسان قبيلة عتيبة، فقتل الملك عُمير بن راشد في المبارزات الأولى 80 فارساً كردياً مدرعاً لا يظهر منهم إلا أعينهم، أما الذين بدون دروع من التحالف القحطاني ضمن جيش سلطان مارد، فقد قتل الملك عُمير من فرسانهم مالا يحصى عدداً، لم يكن أحد قادر على مواجهة الملك عُمير في الظروف العادية، فكيف به وهو يقاتل وقد أقسم ألا تختطف منه أخته كسبية، وكان أكبر فارس ضيغمي هو الفارس الشهير عرار بن شهوان الذي كان يكرر في أشعاره ويؤكد أنه لا يخاف في نجد إلا عُمير بن راشد دون غيره:

يقول الفتى عرار في راس مرقبه *** عفا الله عن عين تزايد همــــــيله

تخاف من دهــــــــــيا دهوم يجرها     ***     ثمانية ألاف عمــــير دليله

وقال:

فَلاَ وَاعَلاَ لَوْلاَ التَّمَنِّي سمَاجهْ …                 أَوْقَف بنَجْد آمن غير خايف

وَالْقى عُمَيْرٍ بَالْعْذَيْبَات مُوَقِّفْ … على شَلْشل بيْضَ الجمَال الشَّرايفْ.

 

لقد كان الملك عُمير بن راشد آل راشد قعقاع زمانه بالفروسية، ولذلك صمد أربعون رجلاً من آل راشد في الأيام الثلاثة الأولى للمعركة؛ حتى تلاحقت فرسان عتيبة ألف ،فألفين فثلاثة آلاف، ثم انقلب ميزان المعركة حين تجمعت جموع عتيبة ما يزيد عن ثمانية ألاف فارس من الروقة وبرقا، وفي النهاية وخلال الأيام السبعة والثلاثين الباقية من المعركة، كاد جيش الشريف سلطان مارد أن يفنى، وكرجل في قمة الشجاعة والبأس لم يصبر عن النزول للقتال بنفسه، فطلب المبارزة من أكفاءه، رفض ملك عتيبة السابق حميدان بن راشد بطل معركة أوضاخ أن يخرج له أحد إلا هو، وكان للتو قد استعاد سمعه منذ أسابيع، حين صاح بثورة جنون؛ وهو يرى بالإشارة أن حسن بن زبيري يريد تطليق أخته ميثاء من زوجها ويتزوجها، فصاح ثلاثاً” ميثاء لا .. ميثاء لا .. ميثاء لا” فانطلقت مع الغضبة وقوة الصيحة سمعه وكما انفتحت قناة قد أغلقت بسبب ضربة رمح، خرج لنزال حسن بن زبيري، كان حسن أربعيني العمر بينما حميدان قريب من الستين، وبعد جولات نزال التقى الفارسين بضربتين قاتلتين لبعضهما، أما حميدان بن راشد فاستشهد في الحال، بينما كان الحظ مسعفاً للشريف حسن أن يعود محمولاً ينازع الموت إلى قصر مارد، ليكتب وصيته، وبينما اتجه فرسان عتيبة لدفن شهدائهم في الصريف، كان جنود سلطنة مارد يستعدون لمعركة الدفاع الأخيرة في الأسياح، وحوصر قصر مارد من جيوش عتيبة التي لم ير مثلها في تلك الفترة الزمنية، وبدأت فرسان عتيبة تدكه من كل جانب، استسلم المُحَاصرون بعد كتابة وصية الشريف حسن ووفاته ودفنه رحمه الله، وانسحاب كل من في الداخل نحو وادي الرمة، وقد قال الشاعر الرفيدي في حلف أوضاخ من عام 880 هـ وحتى سقوط قصر مارد بيدها في عام 911هـ:

انتهينا إلى حلف وقد ضم شملنا       عتيبة أعطت من قواها مصادره

وخذه عتيبياً حليفاً مناصراً                  وقلت وقد أرخت: ربت قساوره

مدى الدهر يبقى مثل طود موطد            نلوذ به إن داهمتنا مخاطره

به التحمت عدنان مع آل يعرب              بعز إذا ما أدرك الدهر فاقره

دعاكم إلى الجُلَّى الحميدي لحلفه   وفيه حماكم إن رمى الدهر باقره

فدوموا عليه ما استقرت عتيبة           وثهلان والنيرين أسود هواصره

فحلف عتيبي جنى الفخر كله                         ومارد ما عادت تشع نواظره

انسحب الضياغم وعبيدة وسنجارة وزبيد ومعهم أبناء الشريف حسن بن زبيري بعد هزيمة شنيعة  نحو وادي الرمة مؤقتاً، واستمر القتال عدة شهور بين جيوش عتيبة والضياغم حتى قرر الضياغم أنه لا أمل في استعادة الأسياح التي صارت ملك لقبيلة عتيبة؛ فقرروا التوجه بحلفهم نحو حائل وجبال أجا وسلمى واستوطنوها. كان العثمانيون قد أسقطوا دولة المماليك في تلك الأثناء، وكان حلف الفضول من بني لام قد سقط كحلف مؤيد من المماليك بسقوط المماليك بحدود عام 923هـ ، وهنا بدأ تفكير هذا التحالف في تشكيل حلف جديد هو حلف شمر مؤيداً من العثمانيين ومن عدة قبائل مزيج من تغلب وعبس وهوازن وقحطان أي عبيدة وسنجارة وزبيد بداية وربما طيء كما يذكر معجم القبائل البريطاني وذلك في عام 930هـ. في حائل استقر الجميع تحت قيادة برزان وبراز أبناء الشريف حسن زبيري، وصرفوا أنظارهم نهائياً عن سلطان مارد الجديد بالأسياح عُمير بن راشد سلطان الأسياح ونجد، وبدأوا بعد تشكيل قبيلة شمر بالغزو من جبل شمر؛ يهددون بقيادة برزان وبرَّاز ابني حسن بن زبيري منطقة الفريش قرب المدينة المنورة حوالي عام 963هـ.. ويرى عباس العزاوي:”والمنقول المحفوظ عنهم أن شمر ليس جداً، وإنما هو وصف لحقهم، وذلك أنهم آخر من خرج من اليمن، وكانت قد ألحتهم السنون فهاجروا إلى أنحاء أجا وسلمى، فدفعوا بعض القبائل وأزاحوهم عن مواطنهم. فشمَّروا عن ساعد الجد، وأوعز إليهم رؤسائهم ب (شمّروا). ومن ثم دعوا بـ (شمِّر) واللغة تساعد على هذا التفسير قالوا: وكانت قبائل طيئ وزبيد هناك، فدفعوهم، ومال هؤلاء إلى أنحاء العراق وسورية وغيرها. والظاهر ان قبائل طيئ (سكان أجا وسلمى) كان بينها خصام وخلاف فحالف قسم منها قبائل قحطانية جاءت من انحاء اليمن، فانتصر على عدوه، ومن ثم استقل في السلطة، وصارت له الرياسة على قبائله، والقبائل المتحالفة معه. والكل يرجعون الى القحطانية فإن طيئاً من قحطان أيضاً. فصار الكل يدعى باسم البطن (شمَّر) المنتصر على عدوّه وقيل للجميع (شمَّر) تَغَلُّبياً، وإلا فلا تزال قبائل (عبدة) من شمر تمت إلى القحطانية رأساً، وقبائل (الأسلم) الى طيئ. وكذا (قبائل زوبع)، هذا هو الذي نراه جمعاً بين المحفوظ والنصوص المنقولة من طريق التاريخ. انتهى كلام المؤرخ العزاوي.

في بداية عام 930هـ بدأ حلف شمر حروبهم مع أشراف مكة بقيادة أبناء الشريف حسن بن زبيري المؤيدين من الضياغم؛ مع تشكيلهم لحلف شمَّر، الذي قام على أنقاض حلف الفضول، ورحيلهم إلى جبل شمر مع أبناء حسن بن زبيري بقيادة برزان بن حسن، حيث ورث أموال والده وأمر ببناء قصر برزان الشهير الذي سمي بإسمه، والذي توارثته عدة أسر حكمت جبل شمر، بدءً من أسرة برزان بن حسن ثم اختلف الضياغم من آل علي وآل رشيد وآل سبهان مع برزان وبراز، كما اختلفوا مع آل راشد ، وكان برزان بن حسن بن زبيري قد بنى له قصر في جبل حائل، هذا القصر له ذكر، وقد حدثت لهم مشاكل بين أبناء الشريف والضياغم فقاتلوهم على

القصر وأخرجوا حلفائهم آل زبيري، الذين فروا وتركوا هذا القصر راحلين إلى العراق، في أحلاف من البوادي” بمعنى أن أبناء سلطان مارد وعائلته بعد مقتله رحلوا مع الضياغمة إلى جبال شمر، وهناك بنوا قصر برزان الذي أخذ أسم أحد أبناء حسن بن زبيري، ولكن لم يطل بهم المقام، فكما قام الضياغمة بحروبهم مع آل راشد، اتجهوا لطرد أبناء حسن بن زبيري ، حيث ورث آل علي السيطرة بالقوة على قصر برزان، ثم آل رشيد فيما بعد، هذه قصة من قصص التاريخ المؤكدة في ظل السنوات الألف التي ضاع تاريخها بسبب نقص التدوين تم تلقف هذا التاريخ من خلال بعض الكتب الحديث والروايات التاريخية والوثائق التاريخية في مصر وبعض كتب التاريخ في الحجاز في تلك الفترة. سقطت سلطنة مارد لآل راشد بعد قريب من مائة عام، وتحولت إلى إمارة صغيرة تقتصر على الأسياح وقراها، لمائة عام أخرى، وفي تاريخ إجمالي للسلطنة والإمارة حوالي مائتي عام، ثم انهارت إمارتهم التي كان يطلق عليها ديرة “أولاد عُمير”، وتفرقوا بين الزلفي عام 1113هـ وبقعاء والتنومة ومدن القصيم وسكاكا والعراق، حيث أقاموا إمارتهم الأخيرة بين عامي 1151هـ حتى دخولهم في ظل سيادة الدولة السعودية الأولى في عام 1208هـ وبعد سقوط الدولة السعودية الأولى استقلوا من جديد في إمارة سكاكا، ثم في عام 1254هـ كانت الفوضى قد ضربت جزيرة العرب، استولى آل رشيد +

واستولى آل رشيد على السلطة، ولم ينسوا ثأرهم من آل راشد، حيث أسقطوا إمارتهم الثانية، وهدموا قصر الحكم المسمى قصر القصبة (الذي بناه جدي الأعلى الأمير راشد بن عمرو بن راشد الأسعد بن السلطان عمير بن راشد بن محمد بن قراض الأسعدي في عام ١١٤٤هجري وهدمه الذئب الغدار عبيد الرشيد في حدود عام 1245هـ). الأمير راشد بن عمرو بن راشد الأسعد بن السلطان عُمير بن راشد آل راشد. لقد أطلق آل رشيد وخاصة عبيد الرشيد على قصر آل راشد اسم قصر العصاة، رغم أن آل راشد أقدم من آل رشيد بالإمارة والملك والسلطنة، فلم يكن الخلاف بين آل راشد وآل رشيد ثأر تاريخي فقط يعود لمعركة الصريف أو أبرق السيح عام 911هـ, بل كان ولاء آل راشد لآل سعود أهم أسباب الخلاف التاريخي المتجدد بين الأسرتين وفق ما أكده المؤرخ النسابة مبارك الرفاعي. وهكذا قصة ثلاث قصور وقلاع في التاريخ قصر مارد في الأسياح وقصر برزان في حائل وقصر القصبة في سكاكا الذي لم يبق أي شيء من أساساته الحجرية التي اقتلعها عبيد الرشيد بناء على تعليمات من أخيه عبدالله الرشيد.

المؤرخ الدكتور صالح بن محمود السعدون آل راشد

 

 

[1] ) محمد بن فهيد – ويكيبيديا (wikipedia.org)

(2) أصل القعايدة من قبيلة الجوف قرب مكة في السعودية (ahlamontada.com)

[3] ) الحسن بن زبيري – ويكيبيديا (wikipedia.org)

[4] ) قناة تلجرام باسم  ,  Politics Academy رابط: Telegram: Contact @dralsadoun

[5] ) عباس العزاوي، عشائر العراق، تكون الامارة، المكتبة الشاملة، ص 311؛

هنيدس بن عبدالرحمن الروقي، إمارة آل راشد القديمة، تاريخ وأساطير، المرجع نفسه.

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

اترك رداً

Solve : *
6 + 19 =