العراق.. وتبادل الأدوار بين أمريكا وإيران

المحادثات الأمريكية الإيرانية هل هو شكل من أشكال الاستعمار الجديد ( نظام عالمي جديد ) من خلال تفاهمات دولية إقليمية ضد العرب ..

أعلنت أمريكا أنها تريد فتح باب التفاوض مع إيران بخصوص العراق

المحادثات الأمريكية الإيرانية هل هو شكل من أشكال الاستعمار الجديد ( نظام عالمي جديد ) من خلال تفاهمات دولية إقليمية ضد العرب ..

أعلنت أمريكا أنها تريد فتح باب التفاوض مع إيران بخصوص العراق , من خلال تصريحات السفير الأمريكي ذو الأصل الأفغاني خليل زاد الذي صرح باستعداد أمريكا للبحث مع إيران في الخلافات بينهما حول العراق وقال خليل زاد "أبلغت الإيرانيين بأننا على استعداد لنبحث معهم خلافاتنا حول العراق. هذا البلد يؤكد إننا نريد إقامة قواعد عسكرية دائمة لنستغل العراق ضد إيران. لقد سبق وقلت لكم أننا لا نسعى إلى إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق " وأضاف أن "إيران تقول إن الولايات المتحدة تريد فرض الطائفية في العراق وأقول لكم أننا لا نريد شيئا سوى الوحدة. أما الطائفية، فان أعداء العراق يسعون إلى ترويجها وتشجيعها ".

وعلى الفور صاح علم من أعلام الشيعة وهو في الوقت نفسه أحد رموز النظام الذي شكلته أمريكا بالعراق بعيد احتلال بغداد عبدالعزيز الحكيم بأنه يؤيد أن تلتقط قيادة إيران "الحكيمة "- كما أسماها الحكيم- هذه الدعوة وتبدأ فورا تلك المحادثات , فقد دعا زعيم لائحة الائتلاف العراقي الموحد إيران إلى فتح حوار مع الولايات المتحدة الأميركية من اجل " صالح الشعب العراقي " ونقل مصدر مقرب من عبد العزيز دعوته، خلال كلمة ألقاها "حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران إلى فتح باب الحوار مع الولايات المتحدة لأجل صالح الشعب العراقي ".وأضاف نقلا عن رجل الدين الشيعي "أطالب القيادة الحكيمة في الجمهورية الإسلامية في إيران بفتح حوار واضح مع أميركا وان تتفاهم (معها) على النقاط المختلف عليها حول العراق " ,وتابع "نحن لا نقبل أن يتحول العراق إلى قاعدة للتآمر على الدول المحيطة كما أننا نطالب بخلو العراق من المجموعات الإرهابية التي لها مشاكل مع الدول المحيطة ".

لم تكن إيران عدوة العراق عبر التاريخ فحسب, ولكنها على الأقل كانت عدوة العراق خلال حرب مستعرة لمدة ثمانية أعوام , فكيف يكون عراقياً هو الذي يدعو أعدائه للتحدث مع أمريكا نيابة عنه وعن بلاده , لعل العقل والمنطق يفرضان علينا تصوراً جديداً من أن أيران هي إما محتلاً آخر للعراق , وإما هي محتلاً بديلاً لأمريكا في المرحلة القادمة .

وجاء الرد الإيراني على لسان الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في اليوم التالي : أن طهران مستعدة " للموافقة على التفاوض مع الأميركيين" لتسوية المشاكل في العراق وقال لاريجاني للصحافيين بعد كلمة في مجلس الشورى "نوافق على التفاوض مع الأميركيين". وأوضح أن إيران "تقبل طلب أخينا (الزعيم الشيعي العراقي عبد العزيز) الحكيم لتسوية المشاكل والقضايا العراقية بهدف إقامة حكومة مستقلة " وأضاف لاريجاني المسؤول عن الملف النووي الإيراني أيضا أن بلاده "ستعلن في وقت لاحق من سيكلف في هـــذه المفاوضات"، مؤكدا أنها "ستتناول العراق حصرا".

وهنا تزاحمت الأسئلة على أذهان المراقبين عن أهداف وخلفيات وأسباب تلك الخطوة الغريبة , خاصة في ظل عداء أمريكي – إيراني معلن صك آذان الناس ليل نهار وكأن الحرب بين الدولتين الصديقتين حتى الثمالة ستقع غداً أو ربما قبيل انبلاج نور الفجر .

السؤال الأول الذي يتبادر للذهن هو أن المجهود الإيراني كان واضحاً في مساعدة أمريكا باحتلال العراق , بل وباعتراف وزير الدفاع الإيراني السابق شامخاني ورئيس إيراني أسبق هو عميل أمريكا بطهران وهو رفسنجاني وبكافة القنوات الفضائية أنه لولا المساعدات الإيرانية لأمريكا لما انتصرت في حربيها في العراق وأفغانستان , وهنا يتساءل المرء هل يعني هذا أن التنسيق الأمريكي – الإيراني قد توقف بعد احتلال بغداد وأصبحت المصالح الإيرانية الأمريكية متقاطعة إلى الدرجة التي تستدعي من أمريكا أن توقف ضغوطها في نقل الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن كي تصل إلى إيقاف الضغط الإيراني على أمريكا بالعراق ,

هذا ليس إلا مزحة سمجة لا يمكن للمرء أن يبتلعها من زاويتين :

الأولى : أن التنسيق الإيراني الأمريكي والمحادثات السرية بخصوص العراق لم تنقطع يوما من الأيام منذ ما قبل الحرب وحتى اليوم والمسألة الآن هي ليس أكثر من نقل تلك المحادثات والتنسيق من نطاق السرية إلى العلن . ذلك التنسيق الذي يجعل من رموز شيعة العراق من الإئتلاف الحاكم هم حصان طروادة الذي وضع في بطنه كل من الجيشين الأمريكي والبريطاني إلى جانب جنود الحرس الثوري والمخابرات الإيرانيين وإدخالهم في قلب العراق لتدميره .

الثانية : هو أن تلك الرموز التي تحكم العراق من خلال ما يسمى بكتلة " الإئتلاف الشيعي " فقد كانوا هم رجال المخابرات الإيرانية العراقيين وجاؤوا لحكم العراق على الدبابة الأمريكية , فهم عراقيون ولكنهم رجال أمريكا وإيران بالعراق , فبقدر تنسيق رجال هذا الإئتلاف مع الأمريكيين والإيرانيين , يكون تنسيق الأمريكيين مع الإيرانيين مع الفهم الجيد بأن الخلافات بين الحلفاء أمر وارد حول التفاصيل .

ضج العالم خلال سنوات صدام ذو الآلة الإعلامية الصامتة والسيئة عدا – أيام الصحاف إبان الحرب – للجرائم التي قام بها ذلك النظام من قتل 140 شيعيا بالدجيل وخمسة آلاف كرديا بحلبجة , ولكن كم رأى العالم من الدهشة التي تصل إلى حد خرس اللسان حين أصبح رجال جيشي أمريكا وبريطانيا والموساد الإسرائيلي من جهة والحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى , ورجال ضابط الاستخبارات الإيراني ووزير الداخلية العراقي الحالي بيان جبر من رجال فرق الموت المشكلة بوزارة الداخلية وبرأسة الجعفري وهم يبيدون من أهل السنة بالعراق مائة ألف إبان دخول بغداد مستغلين وقت الحرب , ثم الإبادة الجماعية المنظمة لأهل السنة إلى حد أن تعلن جهات رسمية بالعراق تمثل أهل السنة أن حكومة الجعفري ووزير داخليته ذو الأصول الإيرانية مسؤولون عن قتل ما يزيد عن أربعين ألف سني بالعراق , و لاشك أن معهم الدول المحتلة الثلاثة للعراق أمريكا وبريطانيا وإيران في تلك المسؤولية الجنائية .

ونعود إلى تلك التساؤلات ؟ طالما أن الذين يقودون الثورة ضد الوجودين الصليبي – أمريكا وبريطانيا – والفارسي الإيراني الشيعي بالعراق هم حسب تصريحات الأمريكيون والحكومة العميلة بالعراق , هم الصداميون البعثيون والزرقاويون , وبتحديد أكثر يرى العالم كله بعيدا عن هذه المسميات المسيسة أن الثورة يقودها أهل السنة بالعراق؟ , وليس الشيعة بكافة أطيافها سواء ذوو التبعية الإيرانية الصرفة أو الذين يزعمون جهراً أنهم ضد الوجود الأجنبي بالعراق كمن يطلق عليهم التيار الصدري الذي فضح بقوة حين أصر على ترشيح رئيس حكومة عميل عاجز سلم مقدرات العراق وأهم وزاراته لشخصيات إيرانية ونعني به إبراهيم الجعفري , إذاً لماذا تم فتح المحادثات مع إيران وهي لا يمكن لها أن تمثل الثوار بأي حال من الأحوال ؟

لو كان الثوار من الشيعة وبدعم أيراني لربما أصبح من المستساغ أن تفتتح المحادثات مع أيران للتنازل لصالحها ببعض المصالح مقابل تخفيف وهج الثورة ضد الوجود الأيراني ! ولكن الثورة هي ثورة شعبية لأهل السنة والشرفاء من الشيعة والأكراد ضد أمريكا , وإن كانت أمريكا تتهم الحكومة السورية برعاية ودعم تلك الثورة , فلم لا تفتح أمريكا المحادثات بشأن العراق مع دمشق من أجل مقايضة مصالحها بالمصالح الأمريكية ؟

ولهذا فإن المحادثات الأمريكية الأيرانية تجاه العراق وتطبيل رمزهما بالعراق عبدالعزيز الحكيم لهذه المحادثات والمفاوضات هي شيء يحقق مصالح الأطراف الثلاثة وبوضوح وباتفاقات رسمية توجد حقائق سياسية على الأرض ومرجعية قانونية للمستقبل , تكون لصالح أمريكا والغرب من جهة وأيران وشيعة العراق من جهة أخرى , وضد مصالح أطراف ثلاثة أخرى هم أهل السنة العراقيين والمملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية , إن بغداد السنية والرياض ودمشق ستدفع ثمنا غالياً لتلك المحادثات .

ولكن يا ترى هل سيتوصل الاتفاق المزمع عقده إحداث حرباً أهلية طائفية بالعراق تؤصل تقسيمه بعد إفناء الطرف الضعيف وهو أهل السنة ؟ هل سيعقبه تحقيق أحلام الخميني من مد شيعي جديد وتصدير للثورة الإسلامية الشيعية نحو الأردن والخليج بحيث يعاد تشكيل الخريطة في هذه المنطقة من جديد ؟ هل هو نظام عالمي جديد يستهدف العرب ويعطي الحرب لأطراف إقليمية بالوكالة عن الغرب فإيران يوكل لها تمزيق واستعمار العراق , وتركيا ربما بعد تبديل حكومتها الإسلامية يوكل إليها أمر سوريا , وهكذا أثيوبيا وتشاد بالنسبة للسودان …وهلم جرا فيستطيع الغرب واليهود تدمير العرب من خلال أطراف إقليمية تحارب عنهم بالوكالة , وهي عملية إسقاط كما كان يوكل اليهود حربهم ضد العرب والمسلمين للغرب بالوكالة على حد تعبير طيب الذكر رئيس ماليزيا الأسبق محاضير محمد , لعلنا لا نغالي كثيراً إذا ما قلنا محذرين من مؤامرة جديدة يبدو أن الغرب بدأ يجربها كإستراتيجية جديدة وهي تكليف أطراف إقليمية بحرب العرب عنهم بالوكالة !

إن الوضع خطير ما لم تتنبه القوى العربية المعنية بالمنطقة , فإذا كانت مصر قد أخرجت من القوى المؤثرة لصالح العرب وقضاياهم إلى قوة تؤثر ضدهم حالياً فإن الدور الذي يفترض من المملكة العربية السعودية وسوريا أن تكثفا من التنسيق والمشاورات حول الأمن القومي العربي ودون أن تشركا أية قوة عربية أخرى في تلك المشاورات لانتشال الوضع العربي إلى الحدود الدنيا من الصمود .

12/3/1427 هـ
الكاتب د.صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة