بداية النهاية للحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط

في الأسبوع الأول من نوفمبر عام 2006م بدأ التغيير في أمريكا , ليبدأ التغيير في كل أنحاء العالم , ولأول مرة يتشفى المسلمون من بوش الصغير بعد أن أثخن في جراحهم وقتلهم , وسلبهم اللقمة التي يأكلونها , والوسنة الهانئة التي ينعمون بها على قلتها , لقد صفعه الشعب الأمريكي أخيراً صفعة لن يفوق منها أبداً , ولعل حتى المطلعين على بواطن الأمور فوجئوا بثلاث قرارات متتالية لم يكن أحد ليصدق أنها لتحدث قبل 48 ساعة فقط من موعد الانتخابات؛

]في الأسبوع الأول من نوفمبر عام 2006م بدأ التغيير في أمريكا , ليبدأ التغيير في كل أنحاء العالم , ولأول مرة يتشفى المسلمون من بوش الصغير بعد أن أثخن في جراحهم وقتلهم , وسلبهم اللقمة التي يأكلونها , والوسنة الهانئة التي ينعمون بها على قلتها , لقد صفعه الشعب الأمريكي أخيراً صفعة لن يفوق منها أبداً , ولعل حتى المطلعين على بواطن الأمور فوجئوا بثلاث قرارات متتالية لم يكن أحد ليصدق أنها لتحدث قبل 48 ساعة فقط من موعد الانتخابات؛ وهي أولاً إقالة مجرم الحرب النازي وزير الدفاع الأمريكي رامس فيلد بشكل جعل بعض المستضعفين بالعالم تلتئم جراحهم وهم يرونه يتحسر في إقالته , أما القرار الثاني فهي مفاجأة وزراء الخارجية العرب حين قرروا مساعدة الشعب الفلسطيني ورفع الحصار عنه مهما كانت الجهات التي تعارض ذلك الرفع , أما الثالث فهو استجداء بوش للديمقراطيين حول التمديد فترة أخرى لمندوبه بالأمم المتحدة ( جون بولتون ) ذلك المهووس الذي أحوج ما يكون إلى مستشفى للأمراض النفسية وهو يتحرق متلهفاً منتظراً هرمجدون على أحر من الجمر .

في عام 1424هـ /2004م قام كاتب هذا المقال بكتابة نظرية تاريخية جديدة هي ( السيادة الثالثة للأمة العربية – الإسلامية قادمة ) وفيه تحليلاً حول السيطرة المؤقتة لأمريكا على العراق , ربما لم يعط هذا التحليل اهتماماً يذكر حينئذ من كبار المحللين , وبعد سنتين من ذلك التاريخ أي عام 2006م ؛ بدأت الصورة أكثر وضوحاً , فها هو شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يعلن أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على حزب الله في الصيف الماضي 2006م بأنها حرب موت أو حياة لإسرائيل , ويبدو أن الهزيمة المدوية لإسرائيل في تلك الحرب على الصعيد العسكري كانت بمثابة التصديق على بدء مرحلة النهاية لدولة إسرائيل وموتها القريب .

في السنتين الأخيرتين كتبنا كثير من التحليلات عن أن السنتين أو الأربع السنوات اللاحقة لاحتلال أمريكا للعراق ستشهد خروج مذل وهزيمة كبرى لقوات الاحتلال الأمريكية والمتحالفين معها من ذلك البلد , بحيث أنه من المحتمل أن تخرج أمريكا من العراق والخليج العربي بحلول أو بنهاية عام 2008م , لتبدأ المرحلة الأخيرة والتي قد تطول إلى مابين عامي 2020- 2022م , وإن كان الشيخ الدكتور سفر الحوالي قد توقع نهاية مبكرة لدولة إسرائيل بحدود عام 2012م ؛ تلك المرحلة سيبدأ الغرب وفقاً لتعهده بضمان سلامة الكيان الإسرائيلي بالدفاع المستميت عن بقايا دولة إسرائيل التي لم يكن الجدار العازل الذي بناه شارون إلا وسيلة من وسائل حماية دولة اليهود خلف ذلك الجدار؛ في زمن كان الفلسطينيون لا يمتلكون السلاح الصاروخي الفعال , ولكن إذا ما امتلكوا ترسانة تشبه ترسانة حزب الله فسيكون الجدار معدوم الفائدة .

هذا الأسبوع تغير الكثير والكثير فأمريكا أصبحت غير أمريكا المحافظون الجدد , إنها أمريكا الحزب الديمقراطي والتي ستبدأ بسحب جيشها من العراق , ويفاجئنا كبار المحللين الأمريكيون وعلى رأسهم الخبير الاستراتيجي زبغينيو بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي وبعض أركان إدارة بوش الأب أمثال ريتشارد هاس من أن الحقبة الأمريكية بالشرق الأوسط قد انتهت , وأن حرب العراق 2003م هي بمثابة حرب السويس عام 1956م فحرب السويس آذنت بانتهاء الحقبة البريطانية – الفرنسية بالشرق الأوسط لتأتي الحقبة الأمريكية- السوفييتية , أما حرب العراق 2003م فقد آذنت بانتهاء الحقبة الأمريكية بالشرق الأوسط وانسحاب أمريكا نحو بلادها مع بقاء التزامها بحماية إسرائيل , ولكن لم يستطع أولئك المحللون أن يتنبئوا بمن سيخلف الحقبة الأمريكية فمنهم من يرى أنها بداية الحقبة الأيرانية – الإسرائيلية , ومنهم من يرى أنها بداية الفوضى فليس ثمة من يخلف أمريكا .

لعله مهماً أن أضيف أن كاتب هذا المقال ومن خلال النظرية التاريخية المذكورة أعلاه قد قال بانتهاء الحقبة الأمريكية وانسحابها من العراق والخليج ثم من الشرق الأوسط ومنذ ثلاث سنوات , وفي تنظير حول العراق بمقال بعنوان ( الصراع الثلاثي على العراق ) سبق أن تحدث عن أن أرض العراق تقع بين ثلاثة استراتيجيات وجغرافيات وهي إستراتيجية وجغرافية جزيرة العرب وإستراتيجية الدردنيل والتي كانت إسرائيل أو تركيا تقوم بهذا الدور أحياناً نيابة عن أمريكا والحلف الأطلسي , وإستراتيجية إيران (فارس) , ونحن إذ نشهد سقوط وهزيمة إستراتيجية حلف الأطلسي في العراق ولبنان والتي لم تسقط بشكل نهائي بعد , إذا قد يشهد عام 2007-2008م الجزء الأخير من المشهد ؛ فستبرز على ساحة العراق والشرق الأوسط الإستراتيجيتين الأخريين جزيرة العرب وبلاد فارس أو السعودية والجمهورية الأيرانية . ولعلنا نأمل بتفاهم بين الدولتين يحافظ على المكتسبات المالية والحضارية التي توصل إليها الشعبين خاصة مع تصريحات العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله آل سعود بأن الحقبة القادمة لا يتوقع حرباً طائفية في المنطقة , ومع أن تصادم الإستراتيجيتين قائم بالعراق وأيران إلا أن الأمل بالتفاهم السعودي الأيراني ولو على الحدود الدنيا .

البعض قد لا يقرأ الأحداث بشكل سليم , ولكن الملاحظ أن التغيير أكبر من أن يستوعبه العالم , فعلى صعيد العراق بدأت حكومة المالكي الطائفية متشنجة مفضوحة بشكل مخزٍ أمام العالم ففي وضح النهار تختطف موظفيها في وزارة التعليم العالي , وهم غير مسيسين لمجرد أنهم من أهل السنة وقد أطلق خمسة عشر منهم لأنهم من الأكراد أو الشيعة بينما أعلن وزير التعليم العالي الذي علق عضويته بالحكومة أن الباقون شبه مفقودين , وقد كشر جيش المهدي الصدري عن أنيابه بشكل جعله يهاجم المساجد في مدينة صدام أو مدينة الثورة التي أسميت حالياً بل مؤقتاً باسم مدينة الصدر , وأصدرت وزارة الداخلية بحكومة المالكي مذكرة اعتقال للشيخ الدكتور حارث الضاري لمجرد أنه سني رغم أنه من رموز المصالحة الوطنية ومن المعتدلين من الناحية الطائفية , يبدو أن حكومة المالكي فقدت صوابها بمجرد أن أحست أنها فقدت غطاءها الأمريكي وأن سقوطها مسألة وقت ليس إلا فقررت تصفية أعدائها بشكل مكشوف .

أوروبا أعلنت عن مبادرة بين فلسطين وإسرائيل بعد أن زال نفوذ بوش وكونداليزا رايس التي أسماها الدكتور عبدالله النفيسي بحمالة الحطب , وهي مبادرة متوازنة رفضتها إسرائيل كعادتها, يبدو أن أوروبا أرادت أن تعلن عن نفسها بعد أن نالت حريتها بطلاق الشعب الأمريكي لبوش الصغير وزمرته من المحافظين الجدد الذين قد يضطر للتخلص من المزيد منهم , كما أن بريطانيا بدأت تحاول إشراك سوريا وأيران بقرارات الشرق الأوسط على عكس أمريكا بوش الصغير – كونداليزا رايس .

لبنان يشهد تسخيناً للجبهة السياسية وانهيارا على كافة الأصعدة, ولعله من سوء الطالع أن يقود أهل السنة ومن معهم من الأكثرية شاب نزق قليل الخبرة هو سعد الحريري كل الذي يعرفه هو المال والتسكع بفنادق ذات النجوم الخمسة في عواصم العالم كلما اشتدت الأزمة بلبنان بدعوى إجراء محادثات مع ساسة العالم رغم أنه ليس برئيس للدولة ولا رئيس للوزراء وليس وزيرا للخارجية , ويُخشى أن أهل السنة بلبنان سيفقدون نفوذهم وقوتهم واحترامهم إذا ما استمروا يسلمون قيادتهم لشاب أمضى عمره خارج لبنان ولا يفهم من السياسة ما يمكنه من تولي قيادة طائفته , وليت أهل السنة يقدرونه كرجل أعمال يمتلك المال وليس كرجل سياسة يمتلك الحكمة قبل أن يودي بلبنان إلى التهلكة , والوضع ما يزال يتردى من سيء إلى أسوأ والبلد مفتوح على كل الاحتمالات , ولكن قد يجد أهل السنة اللبنانيون من جماعة الحريري – لأن مجموعة سليم الحص وعمر كرامي لا يزالون على الخط الإسلامي والعربي – أنهم أصبحوا بلا غطاء ؛ فقد وضعوا كل بيضهم بسلة بوش الصغير وكونداليزا رايس الذين قد يضطروا تحت ضغط أوروبا إلى التفاهم مع سوريا وأيران حيال لبنان من جديد – كما سلَّم بوش الأب لبنان لسوريا على طبق من ذهب قبيل حرب أمريكا والعراق عام 1990م على حساب الأكثرية التي يرأسهم سعد الحريري والذي قد يبحث له عن ملجأ خارج لبنان .

26/10/1427 هـ
الكاتب د.صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة