لعبة الأمم ومجرى التاريخ .. والفوضى الخلاقة


لعبة الأمم ومجرى التاريخ .. والفوضى الخلاقة
قد علمت إيران أنها لن تنتصر على العرب إلا إذا اتحدت مع اليهود والغرب , فوضعت يدها بيد إسرائيل وأمريكا احتلوا العراق وانتصروا على العراق في عهد صدام كما انتصروا عليه في عهد قورش ونابونيد أخر ملك من ملوك بابل من خلفاء نبوخذنصرلعبة الأمم ومجرى التاريخ .. والفوضى الخلاقة

كتب د.صالح السعدون

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم
(( لعبة الأمم .. ومجرى التاريخ ))
في العصر الحديث سيطر الغرب على الإعلام الدولي والعربي , حتى لأصبح من المحال أن تقوم بأي تغيير على الرأي العام الذي يشكله الإعلام الغربي كما يريد , ولعل هذا الإعلام قد أسقط كل التوجهات والقيم في سبيل إقناع المشاهد العربي البسيط بما يريد هو لا ما يريد المشاهد العربي ذاته , ولقد اثبت الإعلام الغربي أنه هو المسيطر على العقل العربي الذي هو لا يفرق عن عقل الدراويش إلا بعض من أعطاهم الله عقلاً راجحاً , ففي عام 1979م أجرى الغرب تغييرات جذرية على خارطة الشرق الأوسط السياسية بدءً من أفغانستان وحتى العراق مروراً بإيران , ولم ينتبه العقل العربي أنه كان هو المستهدف الأول بتلك التغييرات , فقد هاجم الاتحاد السوفييتي أفغانستان , وأجرى انقلاباً شيوعياً على الحكم الأفغاني , ورغم أن الرئيس داوود ابن عم الملك ظاهر شاه وصهره والذي قام بالانقلاب على الملك حليف الشيوعيين إلا أن الشعب الأفغاني غضب من إزاحة الرئيس الاشتراكي داوود أكثر مما غضب من إزاحة الملك , رغم أن الشعب الأفغاني كان شعباً ملكي الولاء , ورغم أن التغييرات قد بدأت منذ إزاحة الملك ؛ غير أنها انفجرت حين قبض على الحكم مجموعة من الشيوعيين .
أراد الغرب أن يجعل من أفغانستان مستنقعاً ووحلاً يغوص فيه الدب الروسي حتى شحمة أذنيه , ليتمكن من إسقاط الشيوعية وتفكيك الاتحاد السوفييتي , وشجع ما سمي بالجهاد الأفغاني , وغاص ليس الدب الروسي بالوحل وإنما غاص العالم كله معه , ومن ضمنهم الشعب السعودي الذي كان هو المستهدف بطاقاته المالية والفكرية بل وحتى طاقة الخصوبة لديه من أجل تحقيق أهداف النظام الدولي الجديد , وسخر الشعب السعودي طاقاته الشبابية من المجاهدين , حتى أن بعض المجاهدين كأسامة بن لادن كان ممن عاش الحياة الأمريكية ودرس في معاهدها , وانضوى في تحقيق أهداف الجهاد الأفغاني الذي هو كما كان يحقق أهداف الشباب السعودي المتدين فقد كان محققاً لأهداف الغرب في إسقاط الإتحاد السوفييتي , كما سخر الشعب السعودي طاقاته المالية حيث استنفد كل ما لديه من إمكانيات التبرعات لدعم هذا الجهاد ؛ بل وحتى الطاقات الإعلامية وخطب منابر المساجد حيث أصبح الهم الوحيد هو دعم فعاليات الجهاد والاستمتاع بقصص البطولة والمعجزات الواردة من أرض الجهاد حيث كان الناس يستمتعون بما صح من تلك القصص وما لم يصح , وفي بضع سنين ركع الدب الروسي على قدميه وانسحب ومن ثم بدأ يترنح , بينما تبين أن شاه مسعود ورباني كانا جزءً من منظومة فرنسا الاستعمارية وعملاء استخباراتها وأن علاقاتهما امتدت للشاب برنارد ليفي الصهيوني وإسرائيل ,وتبينت فيما بعد صلات المجاهدين بدول الاستعمار , واختلف المجاهدون الذين نذروا أنفسهم للجهاد على تقاسم السلطة وكعكة النصر وضاعت الآمال واستمرت الآلام , وتبين أن الشعب العربي عامة والسعودي والليبي خاصة قد نذروا أنفسهم لقضية خاسرة كانت تهم غيرهم وكانوا يخدمون بها عدوهم .
في الوقت ذاته الذي حدث التغيير في أفغانستان 1979م حدث تغيير آخر في إيران ؛ فقد دعم الغرب الثورة الخمينية , وأسقط الشاه وتندر المتندرون على أنه لا يوجد دولة تقبل به لاجئاً سياسياً , بينما اتجه الخميني كعميل للمخابرات الفرنسية والبريطانية والأمريكية للانتقام من كل أعدائه , من الشاه ومن صدام حسين ومن العراق ومن العرب ومن أهل السنة , في وقت متزامن مع بروز مجد صدام حسين نائب الرئيس العراقي الذي وصل إلى سدة حكم العراق بناء على تنازل مشكوك في صحته من قبل الرئيس العراقي أحمد حسن البكر .
هذه التغييرات الثلاثة في عام 1979م لم ينتبه إليها الكثير من العالم واعتبرت كما لو أنها كانت محض صدفة بينما هي كانت مخططة تخطيطاً دقيقاً من قبل الاستخبارات الغربية التي كانت تلعب بمهارة فائقة تلك اللعبة التي أطلق عليها مايلز كوبلاند " لعبة الأمم " , وهنا دخل البلدان الثلاثة في الفوضى الخلاقة , فأفغانستان دخلت الحرب الأهلية , وإيران لعق الخميني السم وأوقف الحرب العراقية مرغماً ومات مهموماً مسموماً كارهاً يوم مولده , بينما العراق قسمت بلاده إلى مناطق حظر طيران حيث شن عليه بوش الأب الذي صنع من صدام رئيساً للعراق , شن عليه الحرب الأولى لأنه كان مارداً قد خرج عن قمقمه وكان لابد من إعادته إلى ذلك القمقم , ولم يتمكن منه فأخرج النظام الدولي الجديد ابن صانع صدام بوش الغبي الابن حيث قضى على العراق وألحقها بالفوضى الخلاقة , ولقد استفادت إيران بعد وفاة زعيمها العنيد ومجيء مجموعة من الأفاقين للسلطة بقيادة رافسنجاني وخامنئي وسواهما حيث رأوا ضرورة ربط مستقبل إيران بإسرائيل وأمريكا والغرب فأصبحوا عصاً طيعة بيد بوش والغرب ورغم أن الشعب العراقي والأفغاني قاوما الغرب فطالبان اكتسحت أفغانستان , وصدام ظل يمثل العربي الأبي الذي يرفض الخضوع حتى لو فتشوا غرفة نومه , إلا أن الشعب الإيراني كان بطبعه صنيعة للغرب واليهود, فانقض مع الغرب على طالبان في 2001م , وانقض على صدام حسين في عام 2003م , واختفى نظامي الملا عمر , كما اختفى نظام صدام حسين .
وظهرت القاعدة على السطح وكأنها دولة , أو هكذا كانت طريقة الغرب حين يريد أن يصنع العدو البطل , وأجبر النظام العربي القديم على محاربتها حرباً حقيقية لا هوادة فيها قتل فيها جند وشباب وكان الغرب يتفرج ضاحكاً على أمة ضحكت من جهلها الأمم , فقد تقمص النظام العربي القديم دور المدافع عن شعوبه العربية , كما تقمصت القاعدة الإمبراطورية والتي تمتد سطوتها من أفغانستان وطشقند حتى موريتانيا والسنغال أي من الهملايا إلى المحيط الأطلسي , واستغرب المراقبون من قوة وسطوة هذه الثلل من المجموعات البسيطة والمهترئة كيف يمكن لها أن تنتشر كل هذا الانتشار , بل وقد كتبت عدة مقالات أربط بين مخططات الغرب وبين القاعدة وكأن هدف القاعدة هو تحقيق سياسات الغرب , فيؤتى بالقاعدة لليمن , ونكتشف أن هناك تخطيطاً أمريكياً منذ سنوات لبناء قاعدة عسكرية في اليمن فتجبر حكومة اليمن على الموافقة على تلك القاعدة , وتخطط أمريكا على إيجاد قواعد في الصحراء الغربية وفجأة نجد القاعدة تخدم مخططات أمريكا فنجدها بقدرة قادر قد تواجدت هناك ولا ندري كيف كانت تجري الأمور ؟! فتوافق موريتانيا على خدمة أجندة الغرب في حرب وهمية حقيقية بين القاعدة وبين القوات العربية المسلمة , وتوافق فرنسا وأمريكا على أن تلغى الديمقراطية في موريتانيا مقابل وجود القواعد العسكرية فيها .
قد علمت إيران أنها لن تنتصر على العرب إلا إذا اتحدت مع اليهود والغرب , فوضعت يدها بيد إسرائيل وأمريكا احتلوا العراق وانتصروا على العراق في عهد صدام كما انتصروا عليه في عهد قورش ونابونيد أخر ملك من ملوك بابل من خلفاء نبوخذنصر . ولاحقوا طيارين العراق وعلماء الذرة والمهندسين وقتلوهم في بيوتهم أو حيثما كانوا يختبئون. وتحقق الإيرانيون واليهود والغربيون أن اتحادهم معاً ضد العرب هو السبيل الوحيد للقضاء على الأمة العربية .
بدأوا محادثاتهم السرية وزعموا أنهم يتحادثون من أجل إيقاف البرنامج النووي الإيراني , وتارة يتحدثون عن صنع القنبلة النووية وتارة يقولون إنها بعيدة المنال , بينما هم يزودون إيران بكل التقنية اللازمة للبرنامج النووي , وبينما ضربوا البرنامج النووي العراقي بصمت ودون جعجعة , فقد احتاجوا إلى إجراء محادثات لسنوات طويلة مع إيران بزعم كاب أن تلك المحادثات كانت تُعنى باليورانيوم المخصب ودرجة تخصيبه وأين موقع تخصيبه .وفي نهاية عام 2010م انتهى اجتماع عقد بين خمس وزراء خارجية أوروبية مع إيران في مقر وكالة الطاقة النووية التابعة لهيئة النظام الدولي الجديد التي من خلالها يحكمون العالم ( هيئة الأمم المتحدة ) , انتهى باتفاق عظيم يلزمنا سنوات حتى يتم الكشف عن تفاصيله , اضطررت كباحث أن أطلق عليه تسمية مجازية لعدم وصولنا إلى المسمى الحقيقي لذلك الاتفاق , تلك الاتفاقية هي سايكس-بيكو الثانية 2010م . حيث بعدها تم تفجير الفوضى الخلاقة من قبل الغرب وإسرائيل وإيران في النظام العربي القديم الذي بدأ يتهاوى بلداً بعد آخر حيث قاموا بتغيير العالم العربي من خلال الثورات الصهيو- إخوانجية بداية من حرق الغبي بوعزيزي لنفسه ( حيث أصبح معبود الإخوان الماسون وشهيدهم كون شهدائهم في عرف وشرع غير شرع الإسلام ) فبدأت الانتفاضة التونسية ولا تزال الثورات الصهيونية مستمرة .
د.صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة