خارطة الوطن العربي الجديد في ظل ثورات الربيع العربي .


خارطة الوطن العربي الجديد في ظل ثورات الربيع العربي
كتب د.صالح السعدون :

فخروج الأميرة بسمة بنت سعود بن عبدالعزيز آل سعود بمقابلة مع البي بي سي البارحة , وما قالته الأميرة من تجاز للخطوط الحمراء , إلى حد بدا أن مذيع قناة البي بي سي كان وطنياً سعودياً – ربما – كما ظهر بالمقابلة أكثر من وطنية الأميرة بسمة ليوحي بما يخبئه النظام الدولي الجديد من مفاجآت غير محسوبة من قبل السعوديين قيادة وشعباً , لذا وجب استدراك الخطر وعلاج المشكلاتخارطة الوطن العربي الجديد في ظل ثورات الربيع العربي

كتب د.صالح السعدون

في الوقت الذي تشهد فيه الأمة العربية من المشرق إلى المغرب ما يطلق عليه اسم ” الربيع العربي ” أو الثورات أو الانتفاضات على النظام العربي القديم , ذلك النظام الذي ولد عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى التي انتهت 1918م حيث بدأ المنتصرون محادثات لتشكيل عالم ما بعد الحرب في مؤتمر السلام بباريس وسان ريمو بإيطاليا , كما ولد ذلك النظام العربي القديم ووفق اتفاقيات سايكس بيكو التي وقعت بين مندوب بريطانيا في تلك المحادثات مارك سايكس ومندوب فرنسا جورج بيكو في عام 1916م , فإن كثيراً من الناس لا يفهم من هذه الثورات غير أنها ثورات عربية قامت بها الشعوب العربية المتعطشة للحرية , والمتألمة من البطالة والفساد المالي والإداري ..! غير أن الكثيرون لم يحاولوا أن يسألوا أنفسهم أسئلة مهمة , وهي أنه إذا كانت الثورات والانتفاضات في قدرة المواطن أو الشعوب العربية فلماذا انتظرت حقباً تزيد عن تسعين عاماً كي تنتفض على جلاديها ومن صنع أنظمة أولئك الجلادين ؟ ! ولماذا لم تنجح تلك الانتفاضات العفوية التي قامت بمصر وتونس والأردن ضد الأنظمة في ثورات الجياع والخبز وسواها ؟ .
بالنسبة للشعوب العربية رأت الأمر ميسراً هذه المرة وظنت أن القضية كانت فقط تحتاج إلى نوع من التنسيق والتحرك الجماعي ليسقط النظام , في حين ثبت للمطلعين والمراقبين والمثقفين النابهين أن القضية أعمق من هذا بكثير , حيث توجد نوع من التنسيق بين جمعيات أهلية وأحزاب معارضة وشخصيات سميت بناشطين مع أسلوب عمل منسق تجتمع فيه قوى دولية كبرى كأمريكا وفرنسا وبريطانيا , مع الآلة الإعلامية الغربية والعربية , إلى جانب المال الذي انهال فجأة على العاطلين عن العمل و الفقراء ليتحولوا إلى آلة قوية للتغيير ضد النظام العربي القديم الذي صنع هذه الآلة بغباء عبر عقود ثلاثة . ثم تأتي أركان النظام العربي نفسه القابل للانشطار والتفكك وفق أوامر من قام بتركيبه وهم الغرب أنفسهم بحيث بمجرد أن تأتي الأوامر يبدأ أعضاء هذا النظام أو ذاك بتقديم استقالاتهم للإسراع في انهيار النظام , وقد حدث هذا في تونس ومصر واليمن وحاولوا تطبيق ذلك على البحرين كما حصل في ليبيا , وفي سوريا إلى حد غير كبير .
من ينظر لخارطة الثورات العربية , يرى أن مصر وتونس قد طبق عليها نظام واحد وسيناريو متشابه إلى حد كبير , كما طبق على ليبيا وسوريا سيناريو متشابه حتى الآن فقد يتطور الوضع إلى ما هو أسوأ فيما لو وافقت روسيا على قرار التدخل العسكري بسوريا أسوة بما حدث بليبيا , وقد أقرت خطة في الاستخبارات الأمريكية من أجل اغتيال الزعماء العرب الذين يرفضون التجاوب مع التنحي سلمياً حتى مع تهديدهم بالمحاكمات والملاحقة القانونية , وطبقت محاولة الاغتيال بعنف شديد على الرئيس اليمني علي عبدالله صالح , كما طبقت أيضاً على معمر القذافي , وهاهم يلوحون بذلك على حكام سوريا , ولعل الأكثر غرابة في القضية أن بعض الحكام كان جاداً في تطبيق إصلاحات ولكنه كمن هو مقبوض بتلابيبه من أجل منعه من القيام بأي إصلاحات , فعلى سبيل المثال نجد أن الملك الأردني الملك عبدالله الثاني عمل جاهداً للقيام بإصلاحات سياسية مدعماً تلك التوجهات بإعادة هيكلة السياسة الخارجية حين دخل إلى منظومة الخليج العربي بما قد يفيد الأردن من ناحية الدعم المالي وتدفق الأموال والرساميل المالية الخليجية للأردن بما قد يفيد المجال الصناعي والسياحي والعقاري والبنكي و البورصة وغيرها . كما أن الرئيس السوري بشار الأسد كما يبدو أنه جاد في القيام بخطوات جبارة لم تكن ممكنة ولو بنسبة 10% قبل أشهر , بما فيها تخلي حزب البعث عن الحكم كحزب وحيد بالسلطة أو ما يسمى بتعديل المادة الثامنة من الدستور , فضلاً عن الحريات في إقامة مؤتمرات المعارضة بدمشق , إلى جانب ما حدث اليوم الجمعة الأول من شعبان 1432هـ من سحب قوات الأمن والجيش من حماة ليكون التظاهر حراً كما شهدناه في ميدان التحرير بالقاهرة .
ومع ذلك يبدو أن الملك الأردني ممنوع من المضي قدماً بالإصلاحات ؛ حيث أشيع أن مدينة الطفيلة قد رشقت موكبه الملكي بالحجارة , ورغم أن الخبر لم يصور وغير مؤكد إلا أنه من المهم لدى الجهات التي تدير الثورات العربية أن يكسر حاجز الاحترام وحاجز الخوف ويصبح رشق موكب ملكي أمر طبيعي وحق للشعب الجديد الحر أسوة بالخطوات التي قامت عليها الثورة الفرنسية ضد لويس السادس عشر في عام 1789م , ولعل كل رغبات الإصلاح في الأردن تواجه من العديد من الراغبين في التغيير وليس الإصلاح , سواء كانوا الإخوان المسلمين الذين كشروا عن أنياب عدوانية بالتفاهم مع أمريكا , أو الملكة نور زوجة الملك الراحل حسين بن طلال وأم ولي العهد السابق حمزة بن الحسين أو سواهم من الفلسطينيين الفقراء في المخيمات الفلسطينية التي عانت من البطالة والفقر خلال عقود . كما أن سوريا في نفس الاتجاه فالإخوان المسلمون مع عبدالحليم خدام قد تفاهموا مع الاستعمار الفرنسي القديم وأمريكا قائدة النظام الدولي الجديد والعالم الحر , إلى جانب كثير من التكتلات الدينية والليبرالية والناقمة على الأوضاع الاقتصادية والحريات خلال الحقبة الماضية , إلى جانب المصالح الفرنسية بإعادة تغيير الخريطة السياسية بسوريا بحيث يتم إعادة الاستعمار الفرنسي لسوريا وفق جدولة جديدة تكون سوريا مجرد تابعة لساركوزي بالأليزيه .
وقد سمح الغرب بالشذوذ عن القاعدة لنظامين ملكيين في أقصى الشرق وهو سلطنة عُمان وفي أقصى الغرب وهي المملكة المغربية , بحيث سمح للسلطانين بإصلاحات حقيقية ترضي الشعب بحيث يستمر النظامين كتجربة يريد الغرب استمرارهما .
وهنا يبقى من الأمة العربية بلداناً لم يتبين على الأقل ما هي الخطة القادمة لها بحيث نجد أن كل بلد سيكون له سيناريو مختلف عن الآخر فموريتانيا نظامها خادم لقضايا الغرب في الصحراء ولم يقفل سفارة إسرائيل لذا فمن المرجح أن يستمر في المستوى المنظور لأن موريتانيا لا قيمة لها من الناحية الشعبية أو الاقتصادية عند الغرب , ونحن نركز على المستوى المنظور .
أما العراق فقد تم اقتطاعه من الأمة العربية كحديقة خلفية لمرشد الثورة الإيراني وإستراتيجيته الكبرى القادمة , ولذا فمهما رسم الثوار العرب ببغداد فلن ينظر النظام الدولي الجديد ولا الجزيرة ولا العربية أي نظرة تعاطف أو دعم إعلامي أو سياسي لضم العراق لمسلسل الثورات الربيعية العربية , ولعل هذا سيعطينا مؤشراً قوياً إذ أن صدام حسين قد نظم الشعب العراقي كأكثر الشعوب العربية تنظيماً وتسليحاً فحين لن يستطيع الشعب العراقي – في المستقبل القريب – القيام بانتفاضة ضد عبيد الإستراتيجية الإيرانية فمعنى هذا أن الثورات العربية منظمة تماماً لما يريد الغرب تغييره فقط .
وحيث أن الجزائر على قائمة الانتظار بعد ليبيا , واليمن ينتظر مسألة وفاة علي عبدالله صالح أو تنحيه لعجزه الصحي , فلم يتبق إلا دول الخليج , فسواء كانت الخطة الأمريكية الإيرانية ستسعى إلى إزالة حكم آل ثاني بقطر وآل صباح بالكويت وآل خليفة بالبحرين وكذلك شيوخ الإمارات لصالح شيخ خليجي متهافت على السلطة هو حمد بن جاسم آل ثاني ليكون شيخاً على إمارة خليجية يحكمها إلى جانب رئيس وزراء شيعي يأتمر بأوامر طهران والإستراتيجية الإيرانية , أو أن يكون هناك سيناريوهات أخرى بديلة , إلا أن المهم أن الخليج قد تنازل عنه النظام الدولي الجديد لإيران مقابل مكاسب غير مفهومة ولعل المحادثات والاتفاقيات بين الغرب وإيران لا تزال تشوبها بعض تفسيرات مختلف عليها مما أنتج عنه بعض اختلاف المواقف بين الغرب وإيران في سوريا والبحرين وليبيا , فإنهم بالتأكيد سيذللون العقبات مقابل المكاسب المنتظرة بين الطرفين على حساب الأمة العربية , ومن هنا يتبقى العقبة الكأداء للنظام الدولي الجديد , وهي ليست عقبة كبيرة على أية حال لأن السيناريوهات معدة وجاهزة , أعني بها المملكة العربية السعودية , وبانتظار انتهاء المرحلتين التي علقت بهما خطة النظام الدولي الجديد وأعني بهما مرحلة ثورتي ليبيا وسوريا , والمرحلة الثانية وهي مرحلة ثورة الجزائر والأردن , أعتقد أن لدى المملكة العربية السعودية وقت ثمين يجب أن تنظم نفسها ولا تنتظر حتى تأتي الأزمة , كما أن لدى النظام الدولي الجديد وإيران كعدوين لدودين للنظام السلفي بالمملكة العربية السعودية الكثير من الخطط للاستعداد للمرحلة الثالثة والأخيرة للإجهاز على النظام العربي القديم , وقد بدأت بوادر تفتيت الجبهة السياسية الداخلية ليس من خلال نساء عميلات للشرق الإيراني كمنال الشريف , أو بعض النساء بالمنطقة الغربية ذوات التوجه الغربي ( واحدة أو اثنتين ) , بل إن تنسيق الخطط وتجريبها قد بدأ على الدائرة الضيقة بالمنطقة الوسطى , ونحن إذ نرى أن الشعب السعودي بنسبة قد تزيد عن 90% متماسك ضد توجهات القوى المعادية إلا أن الخطر قد يأتي من مأمنه , فخروج الأميرة بسمة بنت سعود بن عبدالعزيز آل سعود بمقابلة مع البي بي سي البارحة , وما قالته الأميرة من تجاز للخطوط الحمراء , إلى حدما بدا أن مذيع قناة البي بي سي كان وطنياً سعودياً – ربما – كما ظهر بالمقابلة أكثر من وطنية الأميرة بسمة ليوحي بما يخبئه النظام الدولي الجديد من مفاجآت غير محسوبة من قبل السعوديين قيادة وشعباً , لذا وجب استدراك الخطر وعلاج المشكلات على عجل لأن الوقت في غير صالحنا , كما يجب أن نحذر من خطة الاغتيالات الأمريكية في دول الخليج في المرحلة القادمة .
الغريب أنه أمس واليوم بدأ الغرب يعلن عن بدء المحادثات مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبالتأكيد يتبعهم الإخوان المسلمون بسوريا وليبيا وتونس وسوريا والأردن والجزائر والمملكة العربية السعودية , حيث قال مسئول أمريكي رفيع ، إن الولايات المتحدة قررت استئناف الاتصالات الرسمية مع جماعة الإخوان المسلمين بمصر، في خطوة تعكس الثقل السياسي المتنامي للإسلاميين، وإن كان من شبه المؤكد أن يغضب ذلك إسرائيل ومؤيديها الأمريكيين . وقال المسئول، الذي طلب عدم نشر اسمه: “المشهد السياسي في مصر تغير ومستمر في التغير”، وأضاف، “من مصلحتنا التعامل مع كل الأطراف التي تتنافس على البرلمان والرئاسة”، وحرص المسئول على التأكيد على أن هذا التحول هو تطور دقيق أكثر منه تغير مفاجئ في موقف واشنطن من الإخوان المسلمين التي تأسست في عام 1928..)) ولعل هذا التصريح يعطي توجهاً أمريكيا للتوضيح أن ما يحدث مع الإخوان المسلمين ليس بداية أو نتيجة للتغيرات الجارية في مصر بل إنها تطور للخطة ذاتها بحيث تستكمل المحادثات بين الطرفين لتصبح الاتفاقية ملزمة بتبعية الإخوان المسلمين للغرب وأمريكا وإسرائيل أسوة بالنظام العربي القديم , فتكون انتفاضات الربيع العربي مجرد استبدال عملاء قدامي خبرهم الشعب العربي بعملاء جدد قد يكونون من السوء أن سنقول رحم الله الحجاج بن يوسف عند ابنه .
من المهم أن نستدرك مدى خطورة المرحلة القادمة فهي تحمل فيروسات مدمرة للأمة العربية , التي هي بالتأكيد ستواجه صدمة قوية وعنيفة حين تكتشف شعوبها الطيبة أن قد تم استغلالها كما قد تم سرقة جهدها ودماؤها , فاستبدلت عملاء بعملاء , وأن لا نصيب لها باللحاق بالركب العالمي لأن مدبر الثورات هو عدوها .
د.صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

2 تعليق على “خارطة الوطن العربي الجديد في ظل ثورات الربيع العربي .”

  1. Homsi.mendas(زائر)

    د.صالح السعدون
    جزاك الله خيرا على هاذه المعلومات القيمه
    حماه الله سوريه حره ابيه وجميع الدول العربيه والاسلاميه.

  2. د.صالح السعدون

    الكاتب :Homsi.mendas(زائر)
    د.صالح السعدون
    جزاك الله خيرا على هاذه المعلومات القيمه
    حماه الله سوريه حره ابيه وجميع الدول العربيه والاسلاميه.

    حياك الله أخي حمصي
    شكراً لمرورك وشكراً لدعئك
    وبارك الله فيك
    د.صالح السعدون[/color]

التعليقات مغلقة