أزمة الوعي العربي .. في القرن الحادي والعشرين .. ودور ذلك في الثورات العربية 3/3


أزمة الوعي العربي .. في القرن الحادي والعشرين .. ودور ذلك في الثورات العربية 3/3
كتب د.صالح السعدون
فقد رددوا خلف الكواليس و- هم غير موضوعيين – أن الجزائر تريد منفذاً بحرياً على المحيط الأطلسي , رغم أن المغرب هو من قام بتحرير الصحراء المغربية دون أي مشاركة سياسية من الجزائر لا مالية ولا سياسية ولا عسكرية

أزمة الوعي العربي .. في القرن الحادي والعشرين .. ودور ذلك في الثورات العربية 3/3


د.صالح السعدون
الجزء الثالث :
فنجد أن الجزائر قد اختلقت قضية الصحراء المغربية وجبهة البوليساريو مع المملكة المغربية ؛ ليس من أجل مصالح جيو-سياسية ذات أهمية للشعب الجزائري ؛ بقدر ما كانت وكأنها تبدو استجابة لشروط الاستعمار الفرنسي على الحاكم المستقل صورياً بالجزائر بو مدين وزمرته بمن فيهم هذا الرئيس الكهل بو تفليقة أن يخلقوا أزمة بالعلاقات الأخوية مع المملكة المغربية , فقد رددوا خلف الكواليس و- هم غير موضوعيين – أن الجزائر تريد منفذاً بحرياً على المحيط الأطلسي , رغم أن المغرب هو من قام بتحرير الصحراء المغربية دون أي مشاركة سياسية من الجزائر لا مالية ولا سياسية ولا عسكرية , إضافة إلى أن الجزائر لم تكن بوضع السعودية والخليج من الناحية الجيو- سياسية ؛ من حيث ان تلك الدول كانت محاصره من قبل إسرائيل من جهة باب المندب وقناة السويس , كما تحاصرها إيران من قبل مضيق هرمز , وكانت هذه الدول في وضع بالغ الصعوبة مع الحرب العراقية الإيرانية واحتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز أو إسرائيل لقناة السويس في عصر ما قبل حرب رمضان 1973م, بينما نجد أن المملكة المغربية قد رفضت رفضاً قاطعاً أن تتنازل عن قيد شبر للجزائر كمنفذ على المحيط ؛ مقابل طي صفحة البوليساريو خاصة أن الصحراء المغربية لم تكن تابعة تاريخياً بشكل كامل وتام للمملكة المغربية قبل الاستعمار أو بعد الاستقلال ؛ وإنما انسحبت أسبانيا أمام المسيرة الخضراء التي حشدها المغرب ؛ فاقتسمت موريتانيا مع المغرب الصحراء المغربية , و بينما اضطرت موريتانيا متألمة تحت ضربات البوليساريو أن تنسحب من الصحراء , فقد قامت المغرب باحتلال حصة موريتانيا من الصحراء , فشعرت الجزائر بخيبة أمل فكل صراعها العسكري مع موريتانيا تحت غطاء البوليساريو قد ضاعت هباء , وهنا دخلت الدولتان – الجزائر والمغرب بمؤامرات ومناورات لم تكن في صالح الشعبين .
ويظل السؤال الكبير : أفلم تكن الجزائر قادرة على شراء عشرين كيلومتر بطول الصحراء حتى المحيط الأطلسي بمليارات من الدولارات التي يدرها البترول بالجزائر فتستخدمها المغرب بالتنمية ؟ فتكون الدولتان قد توصلتا إلى حل يرضي كليهما ! , أم أن الولايات المتحدة أكثر ذكاء من الجزائر حين اشترت الأسكا من الاتحاد السوفييتي عدوها اللدود من أجل المصالح الجيو- سياسية لا من أجل البترول , لأنه لم يكن يعرف أن فيها أي قيمة اقتصادية آنذاك ؟ وهل الاتحاد السوفييتي أقل ذكاء من الناحية السياسية حين قبل بيع الأسكا على أمريكا ؛ لأنه رأى أن كلفة احتلال هذه الثلوج أكبر من قدرته على إدارتها ؛ فباعها رخيصة ؟ هل كُلفةُ ما صرفته مملكة المغرب على شراء السلاح وخوض المعارك , يستحق قيمة هذه الصحراء القاحلة ؟ على أية حال كانت كلفة الخلاف الجيو- سياسي المغربي الجزائري باهض الثمن وعلى حساب الشعبين الجارين , فقد توقف مجلس التعاون المغاربي بسببها , كما توقف القطار بين البلدين , وقس على ذلك كل أمور التجارة والتبادل الثقافي والاجتماعي,لقد كان النظام العربي القديم جامد الفكر حيث تسنم قمته زعماء لا يستحقون الزعامة ,ويتسمون بانغلاق الفكر والجمود.
ولم تكن الكويت والعراق بأفضل حالاً من الجزائر والمغرب ؛ فقد خطط النظام الدولي الجديد من خلال النظام الدولي الجديد/ بريطانيا أن يزرع مشكلة الحدود بين البلدين منذ استقلالهما من الاستعمار البريطاني , وطالب العراق محقاً بضرورة أن تمنح الكويت العراق عشرين كيلومتر أو أقل لتوسيع ميناء العراق على الخليج , فرفضت الكويت بنوع من التحدي وهي كالبعوضة أمام الأسد , و عملت على التأزيم المستمر, حتى يقال أن شيوخ الكويت غضبوا من تصريح صاحب السمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود حين قال : وما يضير الكويت لو تنازلت عن عشرة كيلو متر لصالح ميناء العراق , كما أن السعودية قد اقترحت لحل الأزمة بين الكويت والعراق أن تعطي الكويت نفس القدر الذي تعطيه العراق من أراضيها بمعنى أن الكويت لن تخسر شبراً من الأرض إلا أن تزيح حدودها جنوباً مع السعودية ومع العراق ؛ بل إن المدهش أن أحد الحلول هو أن يمد العراق الكويت بمجرى من نهر شط العرب مقابل تعديل الحدود ومع ذلك رفضت حكومة الكويت .
وحين رفضت قيادة شركة المال والأعمال الكويتية أي حل , فحدث احتلال الكويت ثم احتلال العراق , وكانت نتائج السياسة الكويتية وخيمة على الأمة العربية قاطبة , فقيمة الأرض السبخة الكويتية التي لا تساوي بضعة ملايين ؛ أن خسرت الأمة العربية بسبب هذه السياسة البلهاء والمملاة عليها من قبل النظام الدولي الجديد ما يلي : 1) نهاية استقلال الأمة العربية حين احتُلت الكويت من قبل العراق , واستنجدت منظومة دول الخليج بالقوات الأمريكية , وانقسمت الأمة العربية على نفسها .2) ملايين من القتلى من الجانبين الكويتي و بالأخص العراقي حيث نتج عن هذه الحرب حصار العراق والذي نتج عنه وفاة مليون ونصف طفل عراقي وسط حجة كويتية سمجة من أن حكومة الكويت تحمل صدام حسين مسألة وفاتهم . 3) خسرت الكويت 250 مليار دولار مما كانوا يسمونه رصيد الأجيال في البنوك الغربية لصالح آلة الحرب الأمريكية التي حررت الكويت , ونصف تريليون دولار دفعتها خلال عشر سنوات أعقبت الحرب كفاتورة حرب . 4) خسرت السعودية على حرب الكويت ما يقارب من تريليون دولار خلال سبع سنوات كفاتورة حرب لتحرير الكويت . 5) خسرت الدول الخليجية كثيراً من استقلال القرار السياسي . 6)ضعفت اقتصاديات دول الخليج وقدراتها العسكرية على حساب تغيير ميزان القوى لصالح إيران ؛ والذي تدفع دول الخليج ثمنه خلال هذه الأيام , 7) جنت الكويت على الأمة العربية بسبب عشرة كيلو متر من الأرض السبخة ما لم تستطع كل من أمريكا وبريطانيا مجتمعة أن تفعله بالأمة العربية .
فما الذي استفادته الكويت ؟ وهل هذه العشرة كيلو متر تستحق مادياً ما دفعته دول الخليج فقط على تحريرها أي ما يزيد أو يقارب من ترليونين دولار ؟ ترى لو أن الكويت رضيت ببيع هذه البقعة القذرة التي تسببت بكل هذا البلاء للأمة ؛ على العراق بقيمة بخسة أو غالية أو مجانية , أليس بأفضل من كل تلك الأحداث التي تلتها ؟ على الأقل كانت الكويت قد وفرت لشعبها سبعمائة مليار دولار !, وهل الكويت التي كانت جزءاً لا يتجزأ تاريخياً من العراق قبل أن تحتلها الدولة السعودية الأولى لعشر سنوات تقريباً ثم تنال استقلالها تحت غفلة من الزمن , هل هي أفضل حالاً من وضع الإتحاد السوفييتي وأمريكا في وضع الأسكا ؟ , لقد كان النظام العربي القديم لا يشكل إلا الصورة السيئة في الذاكرة الشعبية العربية ! مجموعة من الزعماء غير الخلاقين وغير المبدعين لإيجاد حلول مبتكرة أمام أصغر المشكلات التي عصفت بالأمة , فكان نتيجتها هذه الانتفاضات المدمرة .
و هكذا كانت اليمن مع المملكة العربية السعودية , فقد كانت السعودية تدفع أموالاً باهضة من أجل تسويق بترولها في ظل الحرب العربية الإسرائيلية في عهد عبدالناصر وخاصة بعد عام 1967م وبعد احتلال إسرائيل لجنوب لبنان حيث أقفل خط التابلاين , إلى جانب تهديد إسرائيل بإغلاق مضيق باب المندب من قبل عملائها بأثيوبيا , واحتمال إغلاق قناة السويس في أي حرب مع مصر , كما أن الحرب العراقية الإيرانية وإمكانية إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران الثورية المتهورة , وقد تكلفت هي والعراق عدة بلايين فقط على خطوط أنابيب نقل البترول بين الخليج العربي والبحر الأحمر , فكان أحد الحلول العملية هي شراء عشرين كيلومتر من الأرض غير المأهولة بالسكان نحو المكلأ الميناء الحضرمي على البحر العربي , لتكون الميناء السعودي داخل الحدود اليمنية لأن عُمان كانت لا تحبذ أن تطوقها السعودية من جهتها الغربية أيضاً , وكان ثمن هذا الرفض خسارة كبيرة على اليمن ؛ إذ كانت المملكة العربية السعودية ستتكفل بكافة مشاريع الحكومة اليمنية وكامل تطلعات اليمنيين بالتنمية , وقد كان بعض زعماء النظام العربي القديم يؤجج الرئيس علي عبدالله صالح بألا يتوصل إلى أي حل مع السعودية , فكلما أعدت المسودة للتوقيع كلما رفض الرئيس اليمني توقيعها باعتبارها القضية التي تجبر السعودية بالصرف على الحكومة اليمنية , وقد أخطأ خطأً جسيماً إذ مع أزمة احتلال الكويت قررت السعودية قطع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية مع اليمن ؛ وكانت كلفة قرارات علي عبدالله صالح خسارة اليمن لما يزيد عن مائة مليار ريال من الدعم الذي كان سيكسبه اليمن في التنمية خلال عشر سنوات , فهل كانت تلك العشرين كيلومتر من الربع الخالي الذي لا يستطيع العيش به حتى الجمال ؛ هل كان رفض التفاهم مع السعودية على بيعه أو تأجيره لمائة سنة قراراً اقتصادياً سليماً ؟ من حسن حظ السعودية أن ذات قيادة حكيمة لم تصل حد إعلان الحرب على اليمن كما فعلت العراق بالكويت . و لم تكن دول الخليج أفضل حالاً من تلك الدول فقد أثبتت هذه الدول أن ما يتفق عليه الآباء ينقضه الأبناء كما فعلت قطر والإمارات بخصوص الحدود مع السعودية فالإمارات حتى في السنوات الأخيرة تبين أن لديها مشكلات حدودية مع جيرانها , وهكذا عُمان و لا ننسى أن مشكلة الحدود السعودية – القطرية قد استخدمت فيها الدبابات .
ومع ذلك فق كانت مصر والسعودية مثالاً ونموذجاً يحتذى , فالسعودية في مسألة الحدود مع الأردن تنازلت بضغوط من بريطانيا عن كامل المنطقة الجنوبية الغربية للأردن وهي معان والكرك والعقبة بما يمثله ثلث مساحة الأردن مع أن السكان لم يكونوا براضين عن فصلهم عن إقليم الحجاز , كما أعطت السعودية وتنازلت للأردن في عهد الملك حسين عن 60 كيلو متر أخرى جنوباً من العقبة حتى الحدود الجديدة للسعودية مع الأردن , كما تنازلت عن الأرض المحايدة للكويت , وقد أصر الرئيس صدام حسين على تعديل الحدود السعودية العراقية بشكل مجحف خاصة قرب رفحة من أجل بركة زبيدة التي رأى أنها عراقية , وبشكل يمس الأمن السعودي في تلك المنطقة في مرحلة ما بعد صدام , كما عرضت السعودية على الكويت إعطاءها من أرضها قدر ما تعطيه العراق , كما عدلت الحدود اليمنية السعودية عدة مرات , وفي كل مرة يطالب علي عبدالله صالح بأفقه الضيق بالمزيد , والغريب أن الحدود العمانية – السعودية قد خضعت عدة مرات للتعديل , وفي كل مرة كانت تعدل لصالح عُمان , لقد كانت السعودية مع جمهورية مصر في مشكلة حلايب السودانية نماذج فريدة في هذا النظام العربي القديم الذي قام على التأزيم .
ورغم المشكلات الجمة التي أقحم النظام الدولي الجديد – أو ما يسمونه المجتمع الدولي ( أمريكا وأوروبا وإسرائيل ) – بها نظامنا العربي القديم خلال العقود الثلاثة الأولى بعد الاستقلال أي حتى عام 1967م , من خلال الحروب العربية الإسرائيلية , فقد كانت لاستقالة جمال عبدالناصر ثم إعادته لسدة الحكم من خلال الشعب المصري , سبباً في محاولة النظام العربي لاستعادة زمام المبادرة ورفع صوت المعارضة لكل ضغوط النظام الدولي الجديد, ولقد شكل الرئيس جمال عبدالناصر حين أعيد انتخابه شعبياً بعد استقالته والملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود قبيل وبعد حرب رمضان محاولتين أو ظاهرتين في أواخر الستينيات ومنتصف السبعينيات من القرن العشرين باستعادة القوة العربية , وتغيير واقع الأمة العربية من خلال مبدأ القوة العسكرية , ولعلهما أهم محاولات النظام العربي القديم المقاومة لإملاءات النظام الدولي الجديد ؛ حيث ما إن توفي عبدالناصر حتى استلم الملك فيصل المبادرة بحرب رمضان عام 1973م , كما كانت محاولة الرئيس صدام حسين التمرد على النظام الدولي الجديد بتهديده بحرق نصف إسرائيل واحتلال الكويت هي آخر محاولات النظام العربي القديم للتمرد وفرض رؤاه على المجتمع الدولي , غير أن وفاة جمال عبدالناصر بواسطة الطبيب اليهودي , ومقتل الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود بتدبير من كيسنجر والاستخبارات الأمريكية كما تؤكده الكثير من دوائر الإعلام , وإعدام صدام حسين بعيد الأضحى , جعل النظام العربي القديم من الضعف والمهانة في الذاكرة الشعبية العربية , أن صاح معمر القذافي بقمة دمشق من أن الدور سيطال جميع الرؤساء العرب واحداً بعد الآخر ؛ وبعد استشهاد فيصل وصدام كان النظام العربي القديم قد فقد شعبيته مطلقاً حين استسلم إلى درجة لم يعد الصبر الشعبي قادراً على تحمله, وينتظر فرصة للانفجار.
وجاءت التغييرات القسرية التي فرضها النظام الدولي الجديد على زعامة المعسكر الشرقي , حين مات بريجينيف فتوالت الأحداث الغريبة على الاتحاد السوفييتي بحيث توفي أندروبوف وأعقبه تشيرنينكو وسط ظروف غامضة , ثم اعتلى عرش الكريملين شاب غريب الأطوار هو جورباتشوف الذي انتهت سياساته بسقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991م , وسط تهليل الغرب , وكان من الدور الذي أنيط بهذا الرجل الذي دمر نظام دولته بيديه أن أشرف على أحداث عالمية جسيمة كان أهمها سقوط أنظمة الشيوعية بأوروبا الشرقية , ثم سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا .
وهكذا أعلن بوش الأب ومجموعته في البيت الأبيض قيام نظام دولي جديد – كان قائماً بالفعل – وتوحيد الغرب تحت شعارات محافظة تميل للصليبية , وبدأت عدوى التوجهات الصليبية تنتقل نحو التنظير فخرجت نظرية صراع الحضارات لصموئيل هنتنجتون و نظرية نهاية التاريخ وخاتم البشر , حيث رأوا أنه لابد أن تنتصر الحضارة الغربية على بقية الحضارات الإسلامية ( العالم العربي ) والكونفوشية ( الصين وكوريا الشمالية ) والأرثوذكسية ( روسيا ومسيحيي شرق أوروبا ) . ثم جاءت الحرب التي شنها النظام الدولي الجديد لتحرير الكويت عام 1991م , ثم فرض مؤتمر مدريد في توقيت عجيب عام 1991 م وذلك بعد مرور خمسمائة عام على سقوط غرناطة وطرد العرب من الأندلس , ثم استمرار لعبة المفاوض الفلسطيني بالتنازلات عن الحقوق العربية والإسلامية واستمرار مسرحية المفاوضات ليس لشيء إلا من أجل الاستعراض والتصوير التلفزيوني , وهكذا توالت الكوارث على النظام العربي القديم , كحادثة لوكربي وحصار ليبيا , وانتصار الغرب وإسرائيل وتدمير لبنان 2006 م , وحرب غزة 2009م , بل إن الاهتمام الدولي بمسرحيات يشمئز منها المواطن العربي كمقتل رئيس الوزراء اللبناني وتهديد بلد كسوريا أمام جريمة غامضة لم يتبين حقيقة من الجاني فيها ؛ مقابل تجاهل تدمير وتقتيل وإبادة وحصار إسرائيل لشعب فلسطين بغزة , كان ذلك كله مثل من يشرب أنخاب خمر الانتصار على أشلاء الضحايا , وكله كان يختزن بذاكرة العرب الشعبية ليصبح انفجارها وقت ما تنفجر مثل قنبلة ذرية .
وما إن انتهت سنوات ثمانية من حكم أمريكي به شيء من التعقل – عهد بيل كلينتون – بني خلالها الاقتصاد الأمريكي الذي أنهكته سياسات بوش الأب في حربه ضد العراق في عام 1991 م , حتى طل علينا ابنه الغبي بوش الابن بعقيدته المحافظة وحروبه الصليبية , وشن حروبه المدمرة للأمة العربية والإسلامية , وكان قد قسم محور الشر إلى ثلاث مستويات , المستوى الأول الأمة الإسلامية واتخذ من القاعدة وأفغانستان و العراق نموذجاً لها ؛ بحيث يتم ضربها بأبشع أنواع الحروب ودون رحمة , والمستوى الثاني وهي الحضارة الصينية الكونفوشية , واتخذ من كوريا الشمالية نموذجاً لها ؛ بحيث يكتفى بحربها بالتصريحات والمحادثات وشيء من الحصار الصوري , والمستوى الثالث هي الحضارة المسيحية الأرثوذكسية روسيا وشرق أوربا , واتخذ من صربيا وكوسوفو مثالاً لفرض هيبة النظام الدولي الجديد الذي يقوده كل من اليهود والمسيحية البروتستانتية والكاثوليكية ؛ على الحضارات الثلاثة مع المشاركة مع روسيا كدولة مستعصية على الغرب , ومن ثم إعلان عصر الحرب على الإرهاب , حيث عانت الأمتين العربية والإسلامية من الحروب القذرة بما فيها استخدام اليورانيوم المنضب والأسلحة المحرمة دولياً , إلى جانب الحصار الاقتصادي وسد ما سمي بمنابع الإرهاب حتى لو كان بهدف التنمية الاجتماعية أو العمرانية لفقراء المسلمين , ولم يفت هذه الحضارة الغربية القذرة( يهودية – بروتستانتية – كاثوليكية ) أن تهاجم المسلمين حتى بالنواحي المعنوية كتخصيصهم بالتفتيش بالمطارات أو إنزالهم من رحلات الطائرات , أو اتهامهم بالإرهاب دون غيرهم , وفتح سجون سرية لهم مثل سجن جونتانامو وغير هذه السياسات التي لم تكن تبعث للعربي إلا بالاشمئزاز .
وبهذا فقد أضاف النظام الدولي الجديد عبئاً جديداً على النظام العربي القديم بحيث فقد الأخير شرعيته على الأقل بالذاكرة الشعبية العربية . وقد كان النظام الدولي يخطط بجدية لمعركة هارماجدون الكبرى بين الخير والشر وفق سياسات محور الشر للرئيس الغبي بوش , غير أن حرب تموز 2006م بجنوب لبنان أسقط القدرة على فرض حرب ناجحة , ومن هنا بدأ التخطيط لكارثة عام 2012م بهدف وحيد القضاء على قدرة الأمة العربية – الإسلامية من الوصول إلى وسط أوروبا من خلال إسلام الغرب ووفق نظريات ديموغرافية تتعلق بنقص الإخصاب لدى الأمم الغربية تحت مستوى 1,8 % مما يعني سقوط تلك الأمم والحضارات ونهايتها أو اندماجها بأمم أخرى هي أكثر حيوية . ومن أجل منع مثل هذه الكارثة فلابد من إيجاد الأسباب والمبررات لشن حرب عالمية ثالثة تستهدف العرب وحدهم وتقضي على خطرهم , ومن هنا تأتي قضية صنع النظام العدو بالأمة العربية , ليسهل تصميم حدث عالمي كبير في عام 2012م يشبه من حدث 11 سبتمبر عام 2001م , فتكون سبباً لشن حرباً نووية مدمرة , ولأن النظام العربي خانع تابع للنظام الدولي الجديد فلن يحسن مطلقاً القيام بدور العدو للغرب ؛ لذا صممت عملية الثورات والانتفاضات من أجل استبداله بنظام معاد , ولأن القاعدة لا يمكن أن تسلم القيادة السياسية في البلدان العربية لأنها ستمتلك العديد من الأوراق التي تجعل من الصعوبة حسم المعركة معها لصالح الغرب , فلابد من وجود تكتل بين الإخوان المسلمين التي انطلقت القاعدة من رحم هذه المنظمة , فتكون أنظمة الإخوان هي الحاكمة في ظل شرط يكون من حق القاعدة الانتشار والعمل في تلك البلدان , وبهذا يكون تم صنع العدو وإيصاله إلى سدة المسئولية , ومن ثم ضربه الضربة القاضية .
من هنا فقد كانت الذاكرة العربية أليمة ومثخنة بما لا يطاق من حركة التأزيم المستمرة منذ عهود الاستقلال الصوري المزعوم عن النظام الدولي الجديد وحتى تفجر المظاهرات التونسية ضد أول نظام يسقط من منظومة النظام العربي القديم . فما كان أمام الشعوب العربية إلا أن تركب موجة الانتفاضة رغبة بالتغيير مهما كانت البدائل سيئة أو أكثر سوءاً , فقد تشبع الشعب العربي من الحرمان ومن الفقر , والبطالة والفساد المالي ما يجعله غير قابل لانتظار أي وعود يرى أنها كاذبة للإصلاح .
إلا أن النظام العربي القديم ما زال يطل بوجهه القديم القبيح , فرئيس الأركان التونسي ورئيس الأركان ووزير الدفاع المصري لم يكونوا إلا جزءاً من ذلك النظام القديم , لذا فيجب أن يعلم العرب أن انتفاضاتهم لا تزال حبالها وخيوطها بيد النظام الدولي الجديد إلى أن يشاء الله , ومن هنا فهذه الانتفاضات لا تنبئ بأي مستقبل مشرق للأمة , كما لا تعني بداية عهود الاستقلال طالما 90% من النظام العربي القديم في كل بلد عربي موجود , سوى تغييرات شكلية يغلب عليها الماكياج وعمليات تجميل قبيحة , وسط مشاعر شعبية خادعة بنصر غير موجود , إننا نكتب صفحات نصر مزعومة بأقلام الهزائم , فمتى يطل على الأمة عصر استقلال بعد استعمار كليل طويل مضى عليه أكثر من ألف ومائتي عام .

انتهى … د.صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة