أزمة الوعي العربي .. في القرن الحادي والعشرين .. ودور ذلك في الثورات العربية 2/3


أزمة الوعي العربي .. في القرن الحادي والعشرين .. ودور ذلك في الثورات العربية 2/3
د.صالح السعدون
الجزء الثاني :
الصورة لحسني الزعيم صاحب أول انقلاب عربي بسوريا

لأن هؤلاء المفكرون أصبحوا أعداء الطغم الحاكمة باعتبارهم أعداء للسياسات التي يختطونها وفق أوامر النظام الدولي الجديد, وأصبحت العادات العربية متحكمة بمستقبل الأمة ,

أزمة الوعي العربي .. في القرن الحادي والعشرين .. ودور ذلك في الثورات العربية 2/3

د.صالح السعدون
الجزء الثاني

ورغم محاولات التحرر العربي في لبنان وفلسطين والعراق وشبه الجزيرة العربية في العصور المتأخرة بعد عام 1100هـ إلا أن تلك الحركات التحررية كانت تقمع بقوة , وكان أشد أنواع القمع والتدمير هو ما تعرض له الشعب السعودي بين عامي 1811-1818م / 1226-1233هـ حيث تم قتل عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف وتدمير المدن السعودية , على يد الدولة العثمانية والنظام الدولي الجديد الذي لم يمض على تأسيسه أكثر من اثنين وأربعين سنة وذلك في عام 1776م , حيث تم إخضاع العالم العربي من خلال تأجير محمد علي باش للقضاء على الدولة السعودية الأولى , ثم تم القضاء على محمد علي باشا نفسه بعد معاهدة لندن الشهيرة عام 1840م , وسط تلميحات من أحد قادة النظام الدولي الجديد الملياردير اليهودي روتشيلد لرئيس الوزراء البريطاني بالمرستون من أنه من الضروري أن يتم زرع الشعب اليهودي في فلسطين وبقرب قناة السويس لحماية مصالح الإستراتيجية البريطانية . .
ولعل مؤرخينا يجاملون وينافقون ويبتعدون عن الموضوعية حين يتحدثون عن الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي في عام 1916م باعتبارها حركة للتحرر العربي , فهي كما يحصل في أيامنا هذه فقد حاول حزب تركيا الفتاة ( الاتحاد والترقي ) الذي قام على أكتاف يهود الدونمة فرض سياسة التتريك على العرب , فبدأت إرهاصات الثورة بالشارع العربي , إلا أن هذه الثورة قد جاءت في التوقيت الخطأ , وفي الظروف الخطأ , فقد كان السلطان العثماني عبدالحميد الثاني أشرف زعماء الأرض قاطبة في زمنه , ولم يكن الثوار يتخذون قرارهم بناء على مصلحة الأمة ؛ بقدر ما أثبتت الوثائق التاريخية والأحداث أن الثورة العربية الكبرى قد جاءت استجابة للنظام الدولي الجديد ولاتفاقية سايكس – بيكو وإيجاد الوطن القومي لليهود في فلسطين , وإفشال ألمانيا والنمسا والدولة العثمانية ( دول الوسط ) في الحرب العالمية الأولى .
ولهذا فقد استبدلت الثورة العربية الكبرى الأخ المسلم التركي وإن كان غير الرحيم ؛ بالعدو الصليبي المستعمر , واستبدل العرب الوضع المتخلف المؤلم بالوضع القاتل المدمر, وبدأت مسيرة العرب وسط قليل من الخبرة والتجربة نحو الحرية والاستقلال , وسط تخبط المفاوضين العرب بقيادة فيصل بن الحسين الذي يكاد يكون ساذجاً من الناحية السياسية أبان وبعيد الحرب العالمية الأولى , وتم استعمار البلدان العربية منذ الحرب العالمية الأولى وإبان وبعيد الحرب العالمية الثانية , ثم وبدلاً من نيل الحرية بتحرر واضح صريح في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين , فقد تمكنت الدول الاستعمارية من تضليل السياسي العربي الوصولي و شعبه , ووقعت اتفاقيات جلاء واستقلال كاذبة ومنقوصة , فقد ظل النظام الدولي الجديد يسيطر على مقدرات الأمور , ولكي تكون الصورة واضحة , فإنه حين حاول الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد أن يسلم جبهة الإنقاذ الجزائرية الحكم حين فازت بالانتخابات بالتسعينيات ؛ فقد هدد الرئيس الفرنسي ميتران باحتلال الجزائر إن لم تلغى نتيجة الانتخابات وزج الإسلاميون بالسجون .
وهكذا فقد كان الغرب يصنع الانقلابات ويغير الأنظمة , فكل متم ترتيب نظام جديد في أي دولة عربية ؛ كان يجب عليه أن يربط نفسه بجديد مواثيق وشروط وأجندة جديدة لخدمة مصالح النظام الدولي الجديد أكثر مما كان عليه النظام الذي سينقلب عليه ويحل محله , و بمثل هذه الأساليب تمكن النظام الدولي الجديد أن يعيد الأمة العربية للاستعمار وهي تظن أنها في عز استقلالها من خلال زعماء مكبلين بعهود ومواثيق لا يمكن لها أن تتلاءم مع تطلعات شعوبهم , بقدر ما تتواءم مع الإستراتيجيات التي تخدم إسرائيل كربيبة للنظام الدولي , وأصبح الرؤساء والزعماء ينفذون كل ما يأتيهم من الأوامر من خلال الفاكس أو السفير الأجنبي بعاصمته , فزادت احتجاجات الشعوب , وكلما زادت تلك الاحتجاجات ؛ كلما أعطى النظام الدولي الجديد مزيداً من الصلاحيات للأنظمة العربية لمزيد من الكبت والفساد والاستغلال , ففتحت السجون العلنية والسرية , واستخدمت أبشع أنواع التعذيب , ووجهت البنادق والمدفعية على صدور الرجال والقرى والمدن دون تمييز , حتى أصبح الزعيم العربي الديكتاتور يرى نفسه مكان الله , ولعل أكبر ما وصل إليه حاكم عربي في زماننا هو قصيدة منسوبة لابن الرئيس المصري المُنحى حسني مبارك إذا كانت صحيحة النسبة كما زعموا .. وإن كانت على الأرجح لأحد شعراء المعارضة يتهكم بما وصل إليه الرئيس من وضع غير طبيعي :

حين قال :

قصيدة : الى الابد
يحيا الرئيس الى الابد ..
يحيا هو الفرد الصمد ..
له صفات ربنا ,, انما له ولد
به نعوذ من الجوى و حاسد اذا حسد ..
به نلوذ دائما من فاقة و من كبد ..
نراه مع عدونا يفطح صبرا و جلد ..
لكنه مع كل اهل أرضنا كما الاسد .. .. !!
مكتمل و كامل و لذلك ليس ينتقص..
قد كان دوما نابها و ليس فيه من عقد ..
ذكره في صادق القرآن قد ورد ..
و اقرأ اذا كذبتني آخر سورة البلد ..
يارب طول عمره و عدله الى الابد ..

كما أن الحبيب بورقيبة وصل حداً إلى محاولة تغيير أركان الإسلام وهو الذي يلمز الناس ويشكون بأصوله اليهودية , فقد قال في عيد العمال التونسي : إنه استشار المفتي حيال إمكانية الإفطار برمضان للعمال كونهم يعملون ولا يستطيعون الصيام , فأخذ الفتي الميكرفون , وقال : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم .. الآية )) صدق الله العظيم وكذب أبو رقيبة , فما كان من جمهور العمال إلا أن حملوا المفتي على رقابهم يطوفون به ساحة الاحتفال , ولعل مثل هذا هي محاولة وتجربة لإبطال ركن من أركان الإسلام .
ولم يكن السادات ولا الحسن الثاني بأقل من هفوات من ذكرنا أعلاه خاصة بعلاقاتهم اليهودية والإسرائيلية , فقد صرح السادات أنه مع عبدالناصر هما آخر الفراعنة , ولكن حسني مبارك قد أثبت أنه أكبر فرعون قد حكم مصر , وفي كل عشر سنين كانت تأتي على المجتمع العربي من الكوارث الجديدة ما يشيب لها الولدن, فقد كان ضرب المفاعل النووي العراقي 1981م , ودعم سوريا لإيران ضد العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية , وتوقيع معاهدة كامب ديفيد الرهيبة عام 1978م والتي رأت كثير من الشعوب العربية أنه لم يكن بتاريخ الأمة عاراً كمثل ذلك العار , ثم جاءت الحرب اللبنانية بامتداد سنواتها لعشرين عاماً بداية من عام 1975م , وإخراج الفلسطينيين من لبنان بعد احتلال إسرائيل لبيروت كأول عاصمة عربية تقع تحت الاحتلال منذ الحرب العالمية الثانية 1982م , ثم احتلال الشيشان وأفغانستان , وأخيرا عاصمة أبو جعفر المنصور مدينة بغداد 2003م ؛ ليعبث بها الجعفري والمالكي وعلاوي وجلبي كأحفاد صغار لابن العلقمي والطوسي , ثم زاد على ذلك انقسام الأمة على ما سمي بتحرير الكويت 1990-1991م , وأخيراً تم التضييق على شباب الأمة حيث أصبحت مسألة الزواج لجيل الشباب مستحيلة , وذلك من خلال استحدث وخلق مشكلة السكن من قبل الحكومات العربية وإيقاف بناء المساكن , بل وإغلاق كل أفاق ممكنة لحل هذه الأزمة , وقد اتخذت العديد من الإجراءات الحكومية لخلق هذه الأزمة ,ففي حكومة مصر العربية اتخذ الرئيس جمال عبدالناصر قرارات تؤدي إلى أن الساكن المستأجر له من الحقوق أكثر من صاحب السكن , بحيث لا يستطيع أن يرفع الإيجار بما يتوازى مع كلفة البناء , وبهذا فقد توقف الرأسماليون عن بناء أي مساكن جديدة باعتبارها مشاريع غير ذات جدوى اقتصادية , بينما الحكومة المصرية وخلال ستين عاماً لم تقم بواجبها تجاه بناء مساكن جديدة يتوازى مع أعداد الشباب الجديدة في كل حقبة , كما لم تعدل القوانين الجائرة التي وضعت لتحد من قدرات رجال الأعمال بالتكفل بحل هذه الأزمة من جذورها .
وكانت الخطة هي أن يضطر شباب الأمة إلى الفساد , وسط انغلاق اقتصادي وفكري عربي , وعدم قدرة على كسر العادات القديمة في سبيل مواجهة الظروف والخطط والمؤامرات الجديدة , وبهذا فقد فشلت الأمة بالاستجابة للتحديات وفق قانون التحدي والاستجابة , وتوقف الشعب العربي عن الروح الخلاقة والابتكار والإبداع فكل مفكر عربي يجب أن يضيق عليه ؛ لأن هؤلاء المفكرون أصبحوا أعداء الطغم الحاكمة باعتبارهم أعداء للسياسات التي يختطونها وفق أوامر النظام الدولي الجديد, وأصبحت العادات العربية متحكمة بمستقبل الأمة , ولكي لا يفهم مقصدي خطأً , فلا أشك أن وصول أنور السادات لرئاسة مصر وهو الصغير الشأن في عهد عبدالناصر ؛ بحيث لا يستطيع أن يقوم بعمل أكثر من تكليفه كمسئول عن ملف الرياضة أو ملف اليمن بعد الثورة أو سواها , لابد أن ثمن وصوله للرئاسة ليس كامب ديفيد فحسب ؛ بل أن تخضع مصر لكل الأزمات الاقتصادية ( الانفتاح ) والاجتماعية ( لانعدام السكن والوظيفة والقدرة على فتح بيت ) , وانتشار البطالة في مصر تتبعها البلدان العربية وحتى الغنية منها والسياسية ( حيث قانون العيب ) وإقفال الآفاق السياسية والشورى وزج الإسلاميين والأقباط بالسجون , ثم قانون الطوارئ بعهد الرئيس حسني مبارك .
كان يفترض من الأمة أن يكون لدى مفكريها حلولاً خلاقة تقضي على مشكلة الإسكان ولو جزئياً , فمثلاً كان يمكن للفتاة أن تتزوج علناً دون بيت ودون جهاز بمجرد التزام الشاب بتبعات الزواج المعنوية من مسئولية أخلاقية حيال الزوجة والجنس والإنجاب والصرف المالي وفق ظروفه الاقتصادية , أما السكن فما المشكلة لو أن المجتمع العربي وجد حلولاً خلاقة مؤقتة , كأن يلتقي الشابين المتزوجين في عطلة نهاية الأسبوع مثل صديقين في فنادق رخيصة تبنى لمثل هذا الغرض حتى يتوفر لهما القدرة على فتح بيت الزوجية , وقد علمنا الإسلام عن تجربة زواج علي بن أبي طالب بفاطمة الزهراء رضي الله عنهما , وزواج بنات علماء أفاضل كبار حيث كان مهر إحداهن لا يزيد عن خاتم من حديد .
كان النظام العربي القديم قد أسس استقلاله وفق شروط النظام الدولي الجديد , وظل هذا الأخير يخنقه يوماً بعد يوم بمزيد من حبال المشنقة , فمن التأزيم السياسي إلى الديكتاتورية وإغلاق الأفاق السياسية كلها إلا من قبيل سياسة الزعيم ” لا أريكم إلا ما أرى ” وصولاً إلى فتح السجون ؛ بل وتمادت الأنظمة في عصر الإرهاب الذي دشنه الإرهابي العالمي بوش الغبي والذي لم يرى العالم إرهابياً بمزيج من الغباء مثل هذا الرجل الأرعن ؛ حيث أصبحت الأنظمة العربية تتجرأ في عهده على القتل لمجرد الشبهة ودون محاكمات , و لم يكن نهاية المطاف إلا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية ؛ حيث أصبحت البطالة التي لم يكن لها أي مبرر وفق مؤشرات اقتصادية عالية في ميزانيات الدول العربية بما فيها الدول الفقيرة كمصر وتونس فضلاً عن الدول الغنية بالبترول , حيث جاء الفساد المالي والإداري ليقضي على كل أمل للحكومات في التوفير أو في صرف مستحقات الشعب وحقوق المواطنة كما ينبغي أن يصرف , فكان لسببي البطالة والفساد ما ليس لغيرهما من الأسباب الأخرى في ذاكرة العرب الجمعية ونقمتهم الجماعية الشعبية إبان زخم الثورات والانتفاضات العربية مع بداية عام 2011م.
ولقد كان النظام العربي القديم من التبعية المفرطة للنظام الدولي الجديد أن كان بسهولة يعطي موافقته لتأدية أي أدوارٍ بغيضة حقيرة لا قيمة لها إلا إشاعة الفوضى بين الأخوة العرب وإدخال السياسة العربية في دهاليز مظلمة لا تحقق للفرد العربي أي مردود , وإشغال الرأي العام العربي بالصغير من الأمور وإهمال الأهم والمهم من بناء القوة السياسية والعسكرية والحضارية للبلدان العربية في مواجهة الأخطار والضغوط العالمية الهائلة .

د.صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة