الانتفاضة التونسية .. قراءة جديدة 4/7


الانتفاضة التونسية .. قراءة جديدة 4/7

كتب د.صالح السعدون :
الثورة الفرنسية ..
وهما أفضل وسيلتين فعالتين بين جميع الوسائل التي اخترعها أجانب عنا, لتفسيخ هذه الدولة وأعني بهؤلاء كهنة الإلحاد والرذيلة الدنسين)) يقول وليم كار ولأن روبسبيير قال أكثر مما يجب فقد تلقى طلقة نارية في فكه أخرسته حتى اليوم التالي ، ويرى المؤرخ رينيه أنه (( لو لم يتلفظ روبسـبيير بهذه الكلـمات ، لما كانت نهايته أمراً محتوماً ))الانتفاضة التونسية .. قراءة جديدة 4/7

كتب د.صالح السعدون :

الصورة لقائد عصر الإرهاب بالثورة الفرنسية روبسبيير

الثورة الفرنسية 4/7:
بيد أن التغيير في فرنسا وإعدادها للثورة قد اتخذ عدداً من الأوجه خلال السنوات الخمس عشرة أو على الأقل العشر التي سبقت الثورة الفرنسية ,فمن جانب بدأت تهيئة فرنسا ثقافياً وسياسياً واقتصادياً نحو الثورة . فملك طيب القلب شديد الرغبة بالإصلاح ، وفلاسفة مؤثرين طالبوا بالتغيير ، فمونتسكيو أراد نظاماً صالحاً للحكم مقتبس من النظام الإنجليزي،وروسو هاجم التنظيمات القائمة ،وطالب بتحديد السلطة المطلقة من خـلال كتابه (( العقد الاجتماعي )) والذي اعتبر فيما بعد (( إنجيل الثورة )). وفولتير اتجه في كتاباته نحو مهاجمة كل التنظيمات الفرنسية بسخرية وعنف ،حتى أسقط ما لها من هيبة أو احترام في نفوس الشعب الفرنسي، وساهم في ذلك تطور المواصلات وانتشار الثقافة الكلاسيكية بفضل أفكار الفلاسفة, وبفضل القراءة والصالونات الأدبية وجمعيات الفكر .
وفي مقابل هذه الهجمة أو الحركة الثقافية الفكرية المتقدمة ,كانت توجد ملكية تؤمن بالحكم المطلق الذي يعتمد الحق الإلهي في الحكم فالملك ممثل الله على الأرض . وعلى صعيد الاقتصاد نادى الاقتصاديون بالإصلاح وكذلك كتاب دوائر المعارف وعدد من الطبقات العليا للشعب وبعض رجال الدين .
من جانب أخر وفجأة تغيرت اتجاه الدوائر الاقتصادية والسياسية في أمستردام، فرغم التنافس البريطاني الهولندي ، إلا أن هذه الدوائر وجهت أموالها المتدفقة نحو بريطانيا ضد فرنسا ، وحتى في الأحوال التي حاولت هولندا أن تكون محايدة في الصراع البريطاني الفرنسي فإن الأموال الهولندية ظلت تتدفق نحو بريطانيا .وفي ثمانينيات القرن الثامن عشر أي قبيل الثورة الفرنسية بعشر سنوات، كان قد بلغ الدين الفرنسي معادلاً للدين البريطاني من قبل المؤسسات المالية في أمستردام حوالي 215 مليون جنية، إلا أن الملاحظ أن هذه المؤسسات قد أخذت نسبة فائدة على الديون الفرنسية ضعف الفائدة المستحقة على الديون البريطانية والتي بلغت 14 مليون جنيه .
وهنا في ثمانينيات القرن الثامن عشر دخلت فرنسا في أزمة اقتصادية يمكن ـ في ظل إمكانات فرنسا الاقتصادية ـ أن يقال لها أنها كانت مفتعلة، فقد بدأت هذه الأزمة الاقتصادية تخنق البلاد بسبب الفساد الإداري والحروب المتتالية التي أرهقت الشعب وميزانيات الحكومات المتعاقبة .
ويذكر أبو عليه إن هذه الأزمة لم تكن مرتبطة بخزينة الدولة فحسب، بل أيضاً بالأفراد وإن الدولة والشعب وصلوا إلى حافة الإفـلاس مع أن المشكلة الاقتصـادية ـ كما يذكر أبو عليًه ـ لم تكن ((في حد ذاتها الدافع الذي أدى إلى الثورة بقدر ما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير )).
لقد كان الاقتصاد الفرنسي فعلاً مبشراً بتطور فعال فقد(( تبدل الاقتصاد التقليدي)) بسبب (( انطلاق التجارة الكبيرة وظهور الصناعة الكبيرة )) رغم المقاومة التي تبديها بعض الفئات الاجتماعية المتصلة (( بالنظام الاقتصادي التقليدي ))واستمر النقد محافظاً على قوته حيث لم تنخفض قيمة الليرة حتى قبيل الثورة بقليل ، كما أن ظروف الإنتاج كانت جيدة ، فازداد إنتاج المعادن الثمينة كالذهب البرازيلي والفضة المكسيكية ، وإن كان أثرها قد يكون عكسياً إذ يقال (( إن الثورة قد تم الإعداد لها بمقياس ما ، في أعماق مناجم المكسيك بسبب اتجاه التضخم النقدي وارتفاع الأسعار)) .
غير أن السؤال يظل موجوداً ، فطالما أن المناجم زاد إنتاجها من الذهب و الفضة فكيف وصلت الدولة ( الحكومة ) إلى درجة الإفلاس ؟ .
وقد ظهر الإنتاج الرأسمالي الضخم في الصناعات الجديدة التي تتطلب آلات حديثة باهظة الثمن، فنشأت صناعة التعدين كصناعة كبرى قبيل الثورة بسنتين ،وهي فيما تعنيه من حاجة إلى عمالة وما تدره على الدولة من رؤوس أموال ضخمة ، وكان يملكها من أطلق عليه ملك الحديد ( ديتروخ ) والذي يمتلك أقوى مجموعة صناعية في فرنسا آنذاك ، حيث كانت معامله في مدينة واحدة تجمع (800 ) عامل ، وتجددت صناعة الفحم ونشأت لذلك شركات مساهمة عمل بها أعداد كبيرة من العمال ،حيث عمل في واحد من المناجم حوالي (400 ) عامل .
وقدر الباحثون زيادات صناعة الفحم على سبيل المثال زيادة إنتاجها منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى قبيل الثورة من 7% إلى 800% والصلب زاد فيما بين عام 1738م و 1789م / 59 11هـ – 0 121هـ إلى 1100 % والصناعات القطنية والأقمشة زادت إلى 107% وبالتالي فقد زادت قوة الصناعة الفرنسية والنمو الصناعي من حجم التجارة فقد زادت صادرات المنتجات الصناعية ما نسبته 221% ، في حين زادت مجموع الصادرات الفرنسية إلى 298% .
إن اقتصاداً قوياً مثل الاقتصاد الفرنسي في مثل هذه الفترة يصعب التأكيد على أن الأزمة الاقتصادية كانت وراء الثورة ,فقد كانت فرنسا في ظل النظام القديم (( وبما ملكت من كبر مساحة وكثرة سكان ووفرة ثروة، الأعظم على الدوام بين دول أوروبا)) وهو ما أكده رئيس الوزراء البريطاني دزرائيلي حين قال في إحدى رواياته (( يتبين لي بأنه لا يوجد أخطاء سخيفة أكثر من أن نتصور وكأن الثورات استدعتها أسباب اقتصادية )) .ومع ذلك فقد بدا أن الأزمة الاقتصادية كانت وراء الثورة الفرنسية فكيف كان ذلك ؟ .
بداية فرضت فوائد باهظة على القروض الحكومية الفرنسية قدرت بضعف الفوائد المستحصلة على القروض البريطانية ،مما جعل الضائقة تزيد على الحكومة التي تدفع 14مليون جنيه إسترليني سنوياً , وقد بلغت فوائد الديون من جراء القروض التي اقترضتها فرنسا خلال السنوات التي سبقت الثورة بحوالي 316 مليون ليرة تذهب إلى جيوب المرابين , أي حوالي 26% من الموازنة وإضافة إلى تحويل الزراعة نحو زراعة الكروم التي تصنع منها منتجات الخمور ,حتى أن مزارعي الكروم أنفسهم يحتاجون لأكل الخبز، بيد أنهم لم يساهموا بزراعـته ، وقد حافظت أسعار الخمـور على معدلها ثم انخفضت أسعارها قبيل الثورة .
وعلى العكس تماما فقد ارتفعت أسعار الحبوب ارتفاعاً هائلاً ، بحيث عجزت الطبقات الفقيرة من الحصول عليه، فمنذ عام 1785م / 1206 هـ وحتى 1789م/ 1210 هـ ارتفعت أسعار القمح الأبيض إلى 66 % ،والقمح الأسمر 71 %، واللحم 67 % ،وخشب الوقود إلى 91 % ، ولكن في عام الثورة زاد الارتفاع حدة فالقمح الأبيض زاد إلى 127 % ،والأسمر إلى 136 % ثم إلى 150 % و 165 % .وهذا يعني أن الحبوب والغذاء لم يكن وراء غلاء أسعارها شحها أو نقصها في البلاد فقط ، بل أنها قد تكون بسبب احتكار التجار لها وخلق أزمة مصطنعة ،وساعد على ذلك ظهور قحط في شتاء ذلك العام ، ومما يثبت أن الأزمة مفتعلة أن الحكومة الفرنسية قد وقـعت مع بريطانيا معاهدة اقتصادية ( معاهدة التبادل الحر ) لتصدير القمح الفرنسي لبريطانيا ، مما جعل التجار لا يبالون بمصلحة فرنسا الوطنية مقابل الأرباح المادية ، ورغم حاجة الفرنسيين لقمحهم إلا أن التجار صدروا القمح لبريطانيا والناس يتضورون جوعاً ، وعبثاً طالب الرأي العام بإلغاء المعاهدة الاقتصادية مع بريطانيا ، فانتشرت المجاعة في الريف والمدن ، مما يجعل علامة الاستفهام تظل كبيرة أمام تصرفات البروتستانتي الجمهوري نكر Nuckr وزير المالية .
وهذا بدوره وضع علامات استفهام في حينها عن أن هناك من يعمل على إيجاد وتطوير أزمة نقص الغذاء ، ويقول سوبول أنه قد (( اتجه الشك إلى المسئولين عن تموين المدن وإلى البلديات والحكومة واتهم نكر نفسه – وزير المالية – بالتواطئ مع أصحاب المطاحن )) .
ورغم أن السنوات العشر الأخيرة قبل الثورة قد زاد عدد السكان فإن الزراعة وخاصة منها الحبوب – لم تكن زيادتها تتناسب مع زيادة عدد السكان واستمرت عمليات تضخيم الأزمة ، وكان( ترجو) أعظم الوزراء في فرنسا والذي عزل في 1776م / 1197هـ ، قد اقترح إطلاق تجارة الحنطة من كل قيد ، بيد أن إصلاحاته أوقفت ، فخلفه في الوزارة نكر وهو بروتستانتي جمهوري مـن أهـل جـنيف ورأسمالي كبير قدم قروضاً كبيرة للثورة الفرنسية ـ فيما بعد ـ لسداد نفقات حرب الاستقلال الأمريكية ، وقد أعلن حسابات الميزانية بما فيها من عطايا ومنح للحاشية الملكية بهدف اكتساب ثقة البلاد ، ولكنه لم يكسب هذه الثقة, بل زاد من تفاعل الأزمة وحنق الشعب على الحكومة وفقدان الثقة بها، ولم يفد عزله من منصبه عام 1781م / 1202هـ .
ويرى فيشر أن الأزمة التي حدثت بسبب الميزانية لم تكن مستحيلة الإصلاح ،لأن فرض ضريبة بسيطة قدرها 6 أو 7 فرنكات على كل فرد كانت ستحل الأزمة، وتمكن فرنسا من موازنة دخلها .
تعالوا معي لنر كيف تفتعل الأزمات والثورات ؟!!!!!!
ففي عام 1788م / 1209هـ دعا الملك مجلس طبقات الأمة إلى الانعقـاد في العام التالي عام 1789م / 1210هـ لأول مـرة منذ عام 1614م/1035هـ وهو إجراء كان في منتهى الخطورة في مثل هذه المرحلة التي تعيشها فرنسا إذ أنها تشبه تماماً تلك الظروف التي دعا فيها الملك تشارلز الأول البرلمان الإنجليزي للانعقاد بعد حله لمدة إحدى عشر عاماً ،حيث بدأ البرلمان يتحدى سلطة الملك ، وهي الطريقة ذاتها – كما حدث في الثورة الإنجليزية – التي ستكون بداية الثورة الفرنسية .
وتتوالى عمليات الإثارة ، ففي الوقت الذي ساهم نكر في نشر عيوب وفضائح الميزانية ، نجد أن بعض الأثرياء يثيرون الرأي العام بتصريحاتهم, وقد تولدت كثير من المظاهرات والإضطرابات في 28 إبريل 1789م/ 1210هـ في باريس ضد صاحب مصنع الجفصين هنريو وصاحب مصنع الورق الملون ريفيون حين قال أن العامل يستطيع أن يعيش بسهولة بـ 15 فلساً في اليوم .لاحظوا بدأوا بالطرق على رفاهية الغني واللامبالاة بالفقراء لإحداث فجوة قهر وثورة .
في وقت ارتفعت الأسعار بشكل مضاعف ، وكان هذه التصريحات وتفخيمها لها تأثير سلبي على الشعب العاجز عن الحصول على الخبز في ظل عجز الحكومة المصطنع والمتعمد عن إيجاد الحلول . وقد اجتمع مجلس طبقات الأمة ولكن ظلت الحكومة أمام علامات التساؤل عاجزة عن البت في الاتفاق حيال مساواة عدد مثلي الشعب ( الطبقة الثالثة ) بعدد ممثلي طبقتي الأشراف ورجال الدين معاً , كما وقفت عاجزة عن اتخاذ القرار حيال إمكانية اجتماع الطبقات الثلاث معاً أوكل على حدة .
وكانت مطالب الشعب تتضمن ألا تفرض الضرائب من غير موافقة الشعب ، مع إلغاء ضريبة البيوت والعقار الثابت ، وقد أجمع الناس على هذين المطلبين ، ولكن في هذه الأثناء المشحونة بالاضطراب والترقب, وزع قس شاب أسمه تاليران Talleyrand اعتقد أنه يمت بالصلة للأسرة المالكة عريضة وزعت على نطاق واسع ، مع ملاحظة الأيدي الخفية التي ساهمت في توزيعها بالسرعة والانتشار المطلوبين نادى فيها بنظام ملكي دستوري ، وما إن اجتمع ممثلي طبقات المجلس ، حتى سيطر عـلى ممـثـلي طبـقة العامة (( عقـلية السوقة )) على حد تعبير فيشر ، وما أن جاء يوم 17 يونيو من نفس العام ، حتى أعلنوا أنهم يكونون (( الجمعية الوطنية )) وبعد ثلاثة أيام أعلنوا في اجتماع في ملعب التنس ألا ينفضوا قبل أن يعلنوا لفرنسا دستورها وهكذا جرت مداولاتها في ظل (( مملكة تجيش بالفوضى وتحت ضغط غوغاء باريس وصخبهم ووعيدهم )) بدأت فرنسا تضطرب .
رأى الملك لويس السادس عشر أن الحكومة بزعامة نكر مسئولة عن هذه الفوضى فعزله لأمور متعددة منها لأنه بروتستانتي ، وقرر الملك استدعاء الجيش ، ولكن الأعمال الفوضوية كانت معدة، فقد كانت الطبقة الوسطى وطبقة العمال الناقمة من جراء إهمال أمرها, وأمام تحدي الملك لمجريات الأمور اجتمع عملاء المبادلات النقدية على عجل وقرروا إغلاق البورصـة فوراً احتجـاجا على عزل نكر , مما يعني أن هناك من يحرك الأمور نحو الثورة ، وقد قامت الثورة حين تمكنت عدد من النساء دخول قصر الملك وسط علامات استفهام كبرى عن دور الحراسة ،كما هاجم الرعاع حصن الباستيل يوم 14 يوليو 1789م/1210هـ حيث يقول فيشر (( من المرجح أنهم كانوا يمولون من بعض أرباب الأمـوال الذين رأوا في نكر الأمـل الوحـيد للإصـلاح المالي )) , وتمكنت جموع المتظاهرين من احتلال البلدية في باريس وجعلوها مركزاً لهم ،ونظموا حرساً أهلياً حيث هاجموا قصر الباستيل واستولوا على السلاح ، وهكذا ظهرت قوى شديدة التطرف وأصبح الحرس الأهلي بمثابة جيش الثورة ، فاستسلم الملك أمام المتظاهرين فأبعد بعض وزرائه وأعاد نكر إلى وزارة المال وقبل العلم الذي اتخذته الثورة المثلث الألوان (( علم الثورة )) .
لقد كان هناك بعض الأسماء التي ظهرت فجأة ذات تأثير على الجماهير حيث خطبهم ومنشوراتهم ، كان من بينهم سيدة في مقتبل العمر بارعة الجمال بليغة قرينة مفتش مناجم هي مدام رولان و تاليران ومارا و ديمولين خطيب المتظاهرين المتطرف وكانت مدام رولان هي التي اقترحت إجبار الملك على الإقامة بباريس وإحاطته بالحرس الأهلي .
وهكذا تطورت الثورة من مجرد المطالبات بتوفير الخبز إلى تخفيف الضرائب وجعلها بموافقة الشعب ، إلى إقامة جمعية وطنية تتعادل فيها أعداد الطبقة الثالثة مع طبقة الأشراف ورجال الدين ، ثم فرضت علماً للثورة ذي الألوان الثلاثة ، وأجبرت الملك على عزل وزرائه وإعادة الوزير البروتستانتي نكر ، ثم اقتادوه إلى باريس حيث أصبح سجين الحرس الأهلي في قصر التويلري بباريس .
وهـكذا تطورت الأمور وانتقل البت بالأمور من الملك والجمعية في باريس إلى (( الأندية السياسية التي كان أهمها نادي اليعاقبة ، ذلك النادي الذي صار في وقت وجيز قطب الرحى في إتحاد واسع النطاق وحاكم فرنسا الحقيقي ، ولم تحاول قط الحكومة أن تضرب على أيدي الهيئات الثورية أو تقاوم أفعالها)) لأن الملكية هي المستهدفة من ناحية ومن ناحية أخرى كانت الحكومة الفرنسية بقيادة نكر هي التي وضعت أسباب الثورة وشجعتها وصمتت أمام تطوراتها .
وفي ظل هذا الاضطراب زاد عمق الأزمة الاقتصادية ، وقامت الحكومة أو الجمعية بإصدار أوراق مالية وتوالت هذه العملية حتى حل التضخم المالي وانحطت قيمة تلك الأوراق, وتدهورت قيمة النقد ,فأدى إلى إفلاس الكثير من الناس ، وأدى ذلك إلى فقر خزينة الدولة ، مما ساعد في الهياج الثوري ، ويصف فيشر الوضع بقوله (( ونظر سجينا التويلري بروح الاشمئزاز والسخط … إلى تضخم تيار الثورة المتزايد وعنف نادي اليعاقبة ، و تحريضات الصحف المتعطشة لسفك الدماء، واستسلام الجمعية الذي لا يقف عند حد لأوامر الغوغاء ونزواتهم )) ،ووصل الأمر أن منع نادي اليعاقبة والغوغاء الملك والملكة من حـضـور وتناول (( العشاء الرباني )) في يوم الاثنين السابق لعيد الفصح عام 1791م/ 1212هـ ،حيث تلقت الأسرة المالكة إهانة كبرى ،فقرر الملك مغادرة باريس وكتب منشوراً يعلن فيه بطلان الأوامر الدستورية التي أرغم على توقيعها، وفي مدينة فارين وفي قرية صغيرة على الحدود الشمالية الشرقية كشف أمر الهاربين في 21 يونيو 1791 م/1212هـ فقبض على الملك واتهم بأنه خصم علني للدستور ، ومهاجر ، ونصير للكهان ، ومحرض على الحرب الأهلية ، وحليف للدول الأجنبية المعادية للثورة ، فأوقف عشرة أسـابيع عن العمل دون أن تمس حقه في العرش .
لقد اتبعت الثورة الفرنسية – مع مزيد من الإحكام – نفس الأساليب , وإن كانت مطورة , التي أتبعت في الثورة الإنجليزية ،حيث بدأت المشكلة بمطالب قدمها بعض البرلمانيين البيوريتانيين ، ثم احتدم الصراع إلى ثورة مسلحة ، حيث ساهم الغوغاء في لندن إلى تفكير الملك تشارلز الأول بالهرب ، ثـم انتـصـرت الجيوش الثائرة ، واصطنعت محاولة لهرب الملك تشارلز فقامت حركة ( تصفية برايد )حيث أتهم الملك بالخيانة وحوكم واعدم .
وهو ما حدث في عام 1793م /1214هـ حيث حوكم لويس السادس عشر وزوجته وأعدما بالمقصلة في 21 يناير من نفس العام ، وسط جنوح الثورة نحو مزيد من التطرف .
ويذكر المؤرخون أنه منذ أن انتقلت الأسرة المالكة والجمعية إلى باريس, فقد انتقلت السلطة إلى يد الأندية السياسية التي ظهرت بشكل علني لأول مرة كمنظمات لها رؤساؤها وأعضاؤها وأهدافها .
كانت هذه الأندية السياسية تبدو وكأنها تشكلت لأول مرة مع بداية الثورة ,غير أن الحقائق التاريخية تبين أن أحد هذه الأندية وهو نادي اليعاقبة ،كان يمتلك تنظيماً قوياً وراسخاً بما لديه من نوادي ومنظمات موزعة في كل أنحاء البلاد إلى جانب امتلاكه صحيفة قوية واسعة الانتشار ويقول جوستاف لوبون انه كانت تنتشر في فرنسا آنذاك الجمعيات الصغيرة والتي منها الأندية والجمعيات السرية ،وان هذه الأندية هي التي سيطرت على الثورة الفرنسية ، حيث كانت سيطرتها شديدة .
كانت أهم هذه الأندية السياسية التي هي أشبه بالأحزاب السرية التي أصبحت تملك السلطة بعد انتقال الجمعية والملك إلى باريس، نادي الكوردليه cordelier والذي كان يتخذ من دير قديم للأدباء الفرنسيسكان مقراً له ولاجتماعات أعضائه الذين يمثلون الطبقة العاملة ، وكان أبرز أعضائه مارا والخطيب ديمولين الصحفي المتطرف الذي كان أول من نادى بالجمهورية ،وتردد على اجتماعاته كل من دانتون وروبسبيير .
أما النادي الأكثر أهمية في الثورة الفرنسية فهو نادي اليعاقبة Jacobins وكان أعضاؤه يلتقون في دير للآباء اليعاقبة بالقرب من دار الجمعية الوطنية ، وأسمهم الأصلي (جمعية أصدقاء الدستور )،كان هدف النادي المعلن في البداية تثبيت مكتسبات الثورة مع المحافظة على النظام الملكي الدستوري، وقد استمد سلطته وقوته أن المركيز دي لافييت, أحد أبطال حرب الاستقلال الأمريكية من أصل فرنسي،والذي أشرف على تأسيس الحرس الأهلي وتولي قيادته وكان أبرز زعماء نادي اليعاقبة ، إلى جانب خطيب الثورة ميرابو قبل أن يقتل بشكل غامض ، كما تولى زعامة النادي والثورة فيما بعد كل من دانتون وروبسبيير.
أما النادي الثالث فهو نادي الجيرونديين ، الذي كان الأكبر بين الأندية الثورية السياسية في باريس ,وأعضاؤه الأكثر عدداً في الجمعية الوطنية ، وكان يمثل الجناح الأيمن للثورة والأكثر اعتدالاً, وقد سعى إلى قيام النظام الجمهوري ,لكن فيما بعد وأمام تطرف اليعاقبة حاولوا التفاهم مع الملكية ، وكان أبرز زعماء الجيرونديين مدام رولان وبريسو ، وقد كان أكثر رجال الحكم الذين تعاقبوا في فرنسا في الثورة هم من أعضاء هذه الأندية السياسية .
وكان اليعاقبة ذو (( نفسية يعقوبية )) وهو الاصطلاح الذي أول من عبر عنه جوستاف لوبون, فرغم ما قيل عنهم أنهم متعقلون إلا أن ذلك غير صحيح (( ولو كان اليعقوبي يتعقل بنسبة ما يلام عليه من التعقل ,لأجاب نداء العقل في بعض الأحيان, وقد دلتنا المشاهدة … على أن العقل مهما كان سديداً لم يؤثر فيه قط )) ويرى لوبون ان اليعقوبي أسير عنصرين تتألف منهما النفسية اليعقوبية هما((العقل الضعيف والعواطف القوية )) ,وشبه اليعقوبي بأنصار كالفن من (( أنهم رأوا أن كل من يخالفهم في معتقدهم جديراً بالموت ,فقد كان أولئك الأنصار المتعقلون كاليعاقبة جاهلين بما يسيرهم من القوى الخفية … )), ويقول : (( أن العقل الضعيف والحماسة الشديدة والتدين القوي هي عناصر الروح اليعقوبية )) .
كانت الجمعية الوطنية قد انقسمت إلى أغلبية باسم الجيرونديين في حين كان هناك قلة من المتطرفين يجلسون في مقاعد عالية في مؤخرة قاعة المؤتمر وأطلق عليهم الجبليين ، ظل هذا الوضع منذ بداية الثورة حتى عام 1793م /1214هـ وأثناء تدخل الجيش البروسي وجيش المهاجرين للقضاء على الثورة وإنقاذ الملكية الفرنسية ، وحـاول الجيـرونديين والجبليين ( اليعاقبة ) تناسي خلافاتهم ، كما نادى بذلك روبسبيير في 28 يونيو 1792م/ 1213هـ ولكن من وراء اليعاقبة ( الجبليين ) كان الجيرونديين يفاوضون الملك .
لذا سلم اليعاقبة روبسبيير قيادة الحركة وبدأ في يوليو من نفس العام مهاجمة الجيرونديين متهماً إياهم بالتآمر وطالب بحل الجمعية وإحلال حكومة مؤتمر محلها وشكلت حكومة سرية إثر قدوم الاتحاديين البريتون والمارسيليين في الأسبوع الأخير من شهر يوليو. وفي 10 أغسطس 1792م / 1213هـ اجتمع في الليل مندوبين عن الأحياء الباريسية فاحتلوها وتحركت الجماهير من الأحياء وزحفت الجموع على قصر التويلري الملكي, ودخلوا إلى باحة القصر الملكي بمساعدة الحرس القومي ،ولكن حرس الملك السويسريين أطلقوا النار عليهم ، على أن الملك لجأ مع أسرته إلى دار الجمعية التي عاملته في البداية كملك ,ولكن بعد أن انتصرت الانتفاضة ( الانقلاب ) أعلنت الجمعية تعليق سلطات الملك ، وصوتت على دعوة مؤتمر منتخب بالتصويت العام ، كما أقترح روبسبيير فيما سمي بانتفاضة 10 أغسطس 1792م/1213هـ فكانت هذه الثورة الثانية هي ثورة على الثورة .
وفي سبتمبر بدأ عصر الإرهاب الأول على يد الثورة الفرنسية حيث بدأت المذابح ، فقد بدأت ما سمي بالزيارات المنزلية حيث قبض على حوالي ثـلاثـة آلاف شخص ( مشبوه ) وسجنوا، وهكذا بدأت مجموعات من الجمهور تهاجم السجون وتبيد ( المشبوهين ) ذبحاً ، وخلال ثلاثة أيام ذبح أكثر من 1100سجين ,كان ثلاثة أرباعهم محتجزين من قبل الحق العام, وكان دانتون ومدام رولان القابضين على السلطة يشجعون هذه الأعمال ، ولم ينته عهد الإرهاب الأول إلا بزوال الخطر الخارجي في 16 يونيو عام 1793م/1214 .
وهنا يأتي أيضاً التشابه بين الثورة الانجليزية والفرنسية فقد قام كرومويل بمذابح في اسكتلندا وايرلندا وكثير من المدن الانجليزية وقتل حتى الرهـبان ، ومنع الاحتفال بعيد الفصح , وهو ما فعلته جموع الثورة حين منعت الملك لويس السادس عشر من الاحتفال بالعشاء الرباني عام 1791م/ 1212هـ وقد أعدم اليعاقبة الملك لويس السادس عشر مثلما أعدم كرومويل الملك تشارلز الأول في لندن . وخلال فترة قصيرة بدأ الاستبداد اليعقوبي يأكل نفسه حين تم إعدام روبسبيير في28 يونيو 1794م /1215هـ ، بعد عهد من الإرهاب راح ضحيته مئات الآلاف من الفرنسيين في السجون لمجرد الشبهة، وإعدام ما يقارب ثمانية عشر ألف شخص بالمقصلة .
ظل روبسبيير يواصل إرهابه وفجأه زاد الخلاف بين فئـات اليعاقبة حـول ما سمي بـ (( مؤامـرات الصلاحـيات)) وانقطع روبسبيير عـن الحضور إلى اللجنة (( لجنة الأمن العام الجانبية )) متألماً من مناوراتها ، ويبدو أن ذلك شجع أعداءه وحين فشلت محاولات التوفيق بين لجنتي الحكومة في 22 ، 23 يوليو 1794م/ 1215هـ أضطر روبسبيير رفع الصراع إلى المؤتمر الوطني ، وفي اجتماع 26 يوليو هاجم روبسبيير أعدائه الذين لم يسمهم وحمل عليهم واتهمهم بأنهم الإرهابيون الكواسر المقنعون بالتسامح ،وألقى عليهم تبعة الإرهاب المتطرف وفي هذا الخطاب الطويل الذي أورده المؤرخ رينيه مـؤلف كتاب حـياة روبسبيير قال : (( أنني لا أجرؤ على تسميتهم في هذا المكان وفي هذا الوقت ، كما أنني لا أستطيع كشف الحجاب الذي يغطي هذا اللغز في الثورات منذ أجيال سحيقة ، غير أنني أستطيع أن أؤكد وأنا واثق كل الوثوق أن مدبري هذه المؤامرة عملاء، أثر فيهم ذلك المنهج القائم على الفساد والرشوة … وهما أفضل وسيلتين فعالتين بين جميع الوسائل التي اخترعها أجانب عنا, لتفسيخ هذه الدولة وأعني بهؤلاء كهنة الإلحاد والرذيلة الدنسين)) يقول وليم كار ولأن روبسبيير قال أكثر مما يجب فقد تلقى طلقة نارية في فكه أخرسته حتى اليوم التالي ، ويرى المؤرخ رينيه أنه (( لو لم يتلفظ روبسـبيير بهذه الكلـمات ، لما كانت نهايته أمراً محتوماً )) ويذكر سوبول أن روبسبيير (( قضى على نفسه عندما رفض أن يسمي النواب الذين يتهمهم ، فجميع الذين لديهم ما يلامون عليه شعروا بأنفسهم مهددين وفي المساء بينما كان روبسبيير ينتزع التصفيق في نادي اليعاقبة … كان أعداؤه ينشطون ، والتحمت حلقات المؤامرة في الليل بين النواب )) وصودق على اقتراح بالإجماع لقرار اتهام لروبسبيير فصرخ قائلاً (( لقد قضي على الجمهورية وانتصر اللصوص )) وفي 28 يوليو 1794م /1215هـ مساء أعدم روبسبيير ومعه واحد وعشرون من أنصاره بالمقصلة وكان قد اقتيد إليها وقد هشمت رصاصة فكه الذي كان يقطر دماً،وأعدم في اليوم التالي 70 يعقوبياً ثم في اليوم الذي تلاه 13آخرين ( ) . إن اسم اليعاقبة يثير علامة استفهام فيعقوب هو اسرائيل نفسه وهو الاسم الذي يرمز لليهود مما يعطي انطباعاً حول الجهة المنظمة لهذا النادي ، وأعدام روبسبيير المباشر على إثر خطبته الذي اتهم بعض النواب الذين لم يسمهم وإن كان قد ألمح لهم يثير علامات تساؤل أخرى .
د.صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة