الانتفاضة التونسية .. قراءة جديدة 2/7


الانتفاضة التونسية .. قراءة جديدة 2/7 وهنا يمكننا تلمس الانقلاب في السياسات الغربية ( أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي ) , فالرعب يكمن في حزمة من المخاوف , , ومن هذه المخاوف ما يلي :
1- أن الفساد المالي يؤدي إلى الفقر والبطالة , وأن البطالة تؤدي إلى الهجرة , وأن هجرة الشرق أوسطيين والمغاربة .. . ولمنع الهجرة لابد من الإطاحة بالديكتاتوريات ومؤسسات الفساد وإصلاح الوضع في الدول العربية .
الانتفاضة التونسية .. قراءة جديدة 2/7

كتب د.صالح السعدون
ولعل سائل سيسأل : ما دليل هذا الكلام الخطير والكبير ..؟
فقد دعت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية في قطر أثناء تأجج الانتفاضة التونسية قادة الدول العربية إلى الإصلاح، محذرة من أن التطرف يمكن أن يملأ الفراغ في المنطقة.واستخدمت كلينتون، كلمات شديدة اللهجة، خلال افتتاح الدورة السابعة لـ«منتدى المستقبل لمجموعة دول الثماني ودول الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا» التي بدأت فعالياتها، – إبان أوج انتفاضة تونس – بالعاصمة القطرية الدوحة، وقالت: «إن شعوب المنطقة سئمت من المؤسسات الفاسدة والسياسات الراكدة مقابل تراجع الثروات المائية والنفطية على حد قولها».وحذرت من أن دولا قليلة جداً فى المنطقة لديها خطط للتعامل مع الرؤية المستقبلية القاتمة، معتبرة أن هناك أماكن كثيرة من المنطقة، تغرق الأسس فى الرمال.ونوهت بالنمو الاجتماعي والاقتصادي فى دول الخليج التي زارتها فى الأيام الأخيرة. وقالت إن «الشرق الأوسط الجديد والديناميكي يجب أن يتعزز على أسس أصلب ويتجذر وينمو فى كل أنحاء المنطقة».وأضافت: «الذين يتمسكون بالوضع الراهن كما هو قد يتمكنون من الصمود أمام مجمل مشاكل بلدانهم لفترة قصيرة، ولكن ليس للأبد». وبحسب كلينتون فإن آخرين سيملئون الفراغ إذا ما فشل القادة في إعطاء رؤية إيجابية للشباب وسبل حقيقية للمشاركة.
واعتبرت أن العناصر المتطرفة والمجموعات الإرهابية والجهات الأخرى التي تتغذى من الفقر واليأس، موجودة على الأرض وتنافس على النفوذ، لذلك يجب محاربة الفساد ، والنظر إلى المجتمع المدني على أنه شريك وليس خطراً )) .
وهنا يمكننا تلمس الانقلاب في السياسات الغربية ( أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي ) , فالرعب يكمن في حزمة من المخاوف , وجد الغرب أن الفساد والديكتاتورية ومصادرة الحريات الفردية وربما حتى الحرب على الإرهاب كلها مجتمعة سيؤدي إليها مما تتطلب علاجاً عاجلاً والتضحية بالدكتاتوريات والدكتاتوريين رغم خدمتهم للغرب لأن وجودهم أصبح عبئاً ثقيلا عليهم , ومن هذه المخاوف ما يلي :
1- أن الفساد المالي يؤدي إلى الفقر والبطالة , وأن البطالة تؤدي إلى الهجرة , وأن هجرة الشرق أوسطيين والمغاربة ستؤدي في نهاية الأمر إلى إغراق أوروبا . ولمنع الهجرة لابد من الإطاحة بالديكتاتوريات ومؤسسات الفساد وإصلاح الوضع في الدول العربية .
2- إن هذه الهجرة ستؤدي إلى تغييرات راديكالية في الغرب من تغيير طبيعة ديانته ومجتمعاته , وستزيد من التزاوج بين الأوربيات والعرب , ومن ثم زيادة الداخلين بالدين الإسلامي وبناء عليه سيتم تغيير القارة الأوروبية حسب أحد الأفلام العلمية الأمريكية إلى دولة إسلامية في عام 2027م .
3- إن حقبة الحرب على الإرهاب قد حققت كثير من أهدافها , وفشلت في كثير من الأهداف الأخرى , فهاهي أمريكا تستعد للخروج النهائي من العراق وتواجه مصاعب جمة في أفغانستان , ولذا فالتغييرات التي ينشدها الغرب في العالم العربي والإسلامي لن تكون على شاكلة حروب بوش ضد العراق وأفغانستان , بل ستكون على شاكلة الثورة الإنجليزية في عام 1646م والثورة الفرنسية عام 1789م , ومن هنا جاءت الثورة التونسية للتغييرات في العالم العربي وفق أسلوب المؤامرة – كما سنوضحها في الأجزاء التالية إن شاء الله – .
4- إن استمرار مؤسسات الفساد التي عاثت في البلدان العربية في الحقبة الماضية , ستؤدي بدورها إلى الفقر والمجاعة والبطالة والغضب , وهذا بدورها ستجعل الشباب ينخرط نحو الإرهاب والمنظمات التي ستؤذي الغرب , ولذا آن الأوان لإصلاح الأنظمة , وحيث أن إصلاح بعضها مستحيل فلابد من الإطاحة ببعضها لتكون عبرة للأخرى فتنصاع للإصلاحات التي يرغبها الغرب ليس حباً بالعرب وإنما درءاً لشرورهم , ولذا فقد أصبحت هذه المؤسسات الفاسدة خطرة على الغرب ولابد من إصلاحها جزئياً , وسيكون الإخوان المسلمون على شاكلة النظام الإسلامي التركي , أفضل الأنظمة التي ستقلل الفساد رغم استمراره بصور مختلفة على أيديهم , ومن ثم يمكن التفاهم معهم كما تم التفاهم مع النظام الإسلامي التركي .
5- سيتم التفاهم مع الأنظمة الإخوانية البديلة القادمة في الدول العربية على شاكلة التفاهم بين الغرب ونظام الخميني , بحيث يكون ظاهره العداء وباطنه التحالف , وفق أجندة مشتركة تخدم الطرفين .
6- ثبت فشل النظام الديموقراطي في العراق , ولذا فلن يكرر بتلك الصيغة , وإنما سيكون النظام التركي هو الأجدى , وعليه ستظهر لنا في الأفق منظمات الإخوان المسلمين على اختلاف مسمياتها , فقد أثبت النظام الإخواني في السودان أنه يمكن الوصول معه إلى تفاهم بصيغة من الصيغ مهما كان غاضباً حتى في أعظم المحرمات وهي تقسيم البلد إلى بلدين أو أكثر في سبيل البقاء .

كل هذا جعلنا ندخل في الانتفاضة أو الثورة التونسية باعتبارها شكل من أشكال التدخل والتغيير المفروض من الغرب على شكل الأنظمة العربية منذ عهد سايكس بيكو ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى .
ولعل سائل سيسأل : أكل شيء نجعله من صنع الغرب ؟ ألم يرفض ساركوزي استقبال زين العابدين مما يعني أنه يخاف من غضبة الشارع التونسي ؟ .
نقول : ومتى كان الغرب يخشى غضبة العرب , إن الغرب الذي يعلن بكل وقاحة حمايته لسلمان رشدي , والمصور الذي أساء لرسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم , يضع خطاً أحمراً أمام كل ديكتاتور يسقط كسياسات عامة ينتهجها , فلم يعبأ برئيس الفلبين ماركوس , ولا بشاه إيران رضا بهلوي , ولا بزين العابدين بن علي الرئيس التونسي , رغم كل الخدمات الجليلة التي قدموها لهم , وهي سياسات تمليها عليهم الاتفاقات السرية مع الحكم الجديد التالي للديكتاتور , فهاهو الرئيس الفرنسي بعد أن أكل الرئيس التونسي لحماً وركله عظماً يرفض استقبال طائرته ويردها من جزيرة سردينيا إلى جدة .كما يرفض حتى إقامة أقاربه في فرنسا ويطردهم دون حياء . فهل يمكن لنا أن نتصور أن وجود رضا بهلوي أو زين العابدين في فرنسا أو انجلترا أشد كراهية للشعوب الإيرانية أو التونسية أو العربية والإسلامية من وجود سلمان رشدي والمصور المسيء لنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام , وهل مصالح الغرب ستهدد هنا مع زين العابدين ولا تهدد مع المسيئين للإسلام ؟.
لعلنا نقف أمام بعض الأحداث المثيرة للتساؤل وأهمها أنه حين كان الغرب يدعم الديكتاتور زين العابدين بن علي سمح لشركة أمريكية في العلاقات العامة بتوقيع عقد مع الحكومة التونسية مقابل ملايين الدولارات من أجل تحسين صورة النظام التونسي في أمريكا والغرب كبلد ديموقراطي ومتطور , وحين اتخذ القرار في أمريكا والغرب بزوال نظام زين العابدين قامت الشركة قبل شهر واحد من المظاهرات بفسخ العقد باعتبار الحكومة التونسية بلد ديكتاتوري !! فحين تتخلى الشركة قبل شهر من المظاهرات فهذا يعني أن الحكومات الغربية قد شرعت بتنفيذ المخطط وأبلغت الشركة بالخطة وأمرت بالإنسحاب ..ولم يعد بإمكان الشركة دعم النظام .
ومن الأحداث المثيرة أن الرئيس المخلوع كان يصرح من خلال أجهزة أعلامه أن هناك ملثمين يؤججون الناس للانتفاضة وأنهم يسفكون الدماء .. وأنهم يقومون بأعمال السرقة .. لقد كان في خضم مواجهته للانتفاضة غير قادر على إثبات ما يدعيه بالأدلة القاطعة .. كما أن الأجهزة الأمنية التي ثبت عمالة بعضها للغرب كحرس الرئيس وكانت تعمل ضد الرئيس نفسه كانت ربما تقوم بحماية أولئك الملثمين !! وحين سقط الرئيس تمكن الجيش من القبض على أربعة ألمان وسويديين وفرنسي يقومون بإطلاق النار على الناس بشكل عشوائي من خلال سيارات أجرة يستقلونها .. فانسحب الباقي واضمحل إما إلى سفن بالشاطئ التونسي وإما إلى الفنادق كسياح وإما إلى سفارات بلادهم كأفراد عاديين .. بعد أن حققوا الخطة من جهة . وانكشف أمرهم من جهة أخرى !!
د.صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة