حالة العرب المعاصرة

لقد علمت أني أكلت يوم أكل الثور الأبيضليس من أجل دمشق فحسب…. بل من أجل مكة والرياض

15/12/1425 هـ الكاتب د.صالح السعدون

بمجرد أن علمت إسرائيل أن الرئيس السوري بشار الأسد سيقوم بزيارة روســيا وقد تم تحديد موعدها , بدأت العمل بجدية جبلت عليها , فقد عقد رئيس الكيان الصهيوني شارون جلسة عاجلة لمجلس الوزراء المصغر إلى جانب قادة بعض الأجهزة العسكرية , لمناقشة ما يمكن أن تتمخض عنه هذه الزيارة من نتائج قد تكون خطيرة على خطط إسرائيل المستقبلية في المنطقة .

وعلى الفور تم تدشين حملة إعلامية منظمة دأب الإعلام اليهودي العالمي وتوابعه على إتقانها بتفوق قلَّ نظيره , بل وأجبر دوائر صنع القرار بواشنطن الاستجابة السريعة للتوجيهات القادمة من مصادر عالمية عليا بإدانة هذا التوجه لروسيا , فقد حذرت الولايات المتحدة الأمريكية موسكو من بيع صواريخ متقدمة لسوريا مذكرة بأن هذا النوع من المبيعات قد تطاله عقوبات أمريكية , وقال باوتشر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ( إننا نعارض تسليم أسلحة لسوريا , وهي دولة تدعم الإرهاب – حسب تعبيره – ونعتقد أن هذه المبيعات غير مبررة )

وقفز الموضوع إلى رأس نشرات الأخبار ساعتها , فسوريا تزمع شراء أسلحة متطورة من موسكو مما يعني أن العرب يكررون ما حدث بقصة الرئيس جمال عبدالناصر والأسلحة التشيكية , وقد يهم هذا الأمر العالم العربي بأسره كشعوب وحكومات أكثر من سوريا ذاتها .

وما من شك أن واشنطن وتل أبيب قد أعدتا خططا عدائية لكل البلاد العربية , تحت إدارتين متشددتين من المحافظين الجدد بالإدارة الأمريكية والليكود بالكيان الصهيوني , ولعل مثل هذه الخطط لم تعد سراً بل إنها تناقش علناً وعلى شاشات التلفزة وبكل اللغات , ومن المهم هنا أن نقول أن طريق الرياض لن يكون سالكاً لتل أبيب وواشنطن إلا بعد الخلاص نهائياً من عاصمة الأمويين بعد أن إحتلوا عاصمة العباسيين . فدمشق هي آخر القلاع العربية الصامدة بنوع من الوهن , وهي بحاجة إلى تجديد أسلحتها القديمة الصدأة كي تستطيع أن تجبر شارون أن يجلس معها على مائدة المفاوضات , بدلا من التهديد والوعيد باستسلام مذل ومشين للأمة .

وليس من داع للتذكير بكل السياسات والانتقادات اللاذعة والتهديدات المبطنة والعدائية الأمريكية للمملكة العربية السعودية , فإعلان أمريكا عداءها للسعودية ليس إلا مسألة وقت يفصل بينها وبين ذلك فقط احتلال دمشق لا سمح الله, وقد بدأ العد التنازلي لهذا الأمر , فهاهي أمريكا تريد من تركيا تفويضاً كاملاً لاستخدام قاعدة انجرليك حيث صرح أحد النواب الأتراك أنها استعدادا لشن الحرب على دمشق , أما الموقف الأمريكي من المملكة العربية السعودية فيصدق عليهم ما قاله نصر بن سيار للخليفة الأموي مروان بن محمد عند ظهور الثورة العباسية :

أرى بين الرماد وميض جـمـــر ****** وأحج بأن يكون لــــــهــــا ضرام

فإن النار بالعــــودين تذكــى ****** وأن الحرب مبدؤهــــا الكــــــلام

أقـــول من التعجب ليت شعـري ****** أأيقـــاظ أميــــة أم نيـــــــام

فإن يك أصبحــوا وثووا نيامــاً ****** فقل قـومـــوا فقد حــان القيــــام

ولعل شعوب الأمة رأت كيف تساقطت عواصم الخلفاء تباعاً بدءاً من القاهرة التي سقطت دون حرب وبغداد , والآن جاء دور دمشق , ومن سيكون بعد غد ( أي بعد دمشق ), ويمكن لنا أن نتصور أنه سيكون من المستعصي على أعداء الأمة أن يتوجهوا إلى الرياض ودمشق لا تزال باقية , لا لأن دمشق هي التي ستمنعهم من الحرب , بل لأن هكذا هو مجرى التاريخ , ولأن دمشق أقرب وأكثر خطراً على تل أبيب , ولعل شعار أمريكا في المرحلة القادمة سيكون ((دمشق أولاً)) , وسيكون من الملائم لهم أن يتوجه الجيش الأمريكي من الشرق (العراق) وهو الجيش المطعم بأعداد هائلة ليس فقط من اليهود الأمريكيين , بل من بعض الجنود من كتائب يعملون بالجيش الإسرائيلي نفسه , كما اعترف بعض الحاخامات اليهود , أو ربما سيكون من خلال غزو للجيش الإسرائيلي من الجنوب الغربي , أو من كليهما معاً ليلتقيا بساحة الأمويين أو الجامع الأموي بدمشق , ثم ستعلن الخطــة اللاحقة على غرار ما أعلنوه من خطط لغزو دمشق عشية احتلال بغداد .

إن إسرائيل حين تعلن عن حقيقة معارضتها ومعها أمريكا لشراء سوريا أسلحة صواريخ متقدمة أرض أرض (إسكندر – أي ) و( إس. إس. 26) وصواريخ ضد الطائرات وأخرى ضد الدبابات , لتعلن عن حقيقة يعرفها الكثيرون وهي أن العرب قد فرض عليهم حظر بيع السلاح دون إعلان أو جعجعة , تماماً كما كان الوضع في أوائل الخمسينيات .

لقد تخلت القاهرة منذ أكثر من ثلاثة عقود عن دورها العربي طواعية , وهي قد اختارت الانحياز لسياسة الحياد بين العرب وإسرائيل وأمريكا , وكأن العرب ينقصهم من يقوم بهذا الدور . وعزلت بغداد أولاً ثم احتلت , وقلمت أظافر دمشق , ولم يبق للأمة من يمكن لـه أن يعيد هيبتها ويلملم بعثرتها سوى الرياض , لعل الرياض تعيد رسم سياسة العرب بالمنطقة وفق تصورات جديدة ومحاور جديدة تعيد بدء اللعبة الدولية بالمنطقة من الصفر . وهي قادرة على ذلك إذا ما أحيت محور الرياض – دمشق – وأغرت القاهرة بعرض جدي بلعب دور ما في هذا المحور وفق تصورات الرياض أو الخروج من اللعبة نهائياً.

إن إعادة صياغة ورسم السياسة العربية لا يحتاج إلى معجزة , فالأمة أصبحت كالرعية بدون راع , والظروف المحيطة بالأمة تسهل على الرياض هذه المهمة , ولعل زيارة الرئيس السوري واحدة من المحطات التاريخية الهامة التي يمكن تحويلها كمرتكز من مرتكزات التحولات الإيجابية التي تصب في مصلحة الأمة في مستقبلها القريب من تاريخها المعاصر , وإذا ما تم تنسيق جهد سعودي سوري يهدف إلى مساعدة سوريا سياسياً ومالياً لكي تحصل سوريا على الأفضل من هذه الأسلحة المتطورة , من خلال تقديم الموضوع في سياق إعادة النفوذ والمصالح الروسية بالمنطقة , وحماية المنطقة من التفرد الأمريكي , ومساهمة روسيا بالسلام والاستقرار في المنطقة والعالم من خلال دعم الموقف العربي الممثل بهذا المحور السعودي – السوري , فإن هذه الزيارة العربية للرئيس السوري ستتمخض عن نتائج إيجابية للعالم العربي في هذه المرحلة التاريخية العصيبة , ولعله من حسن الطالع أن موسكو بدت رافضة لكل الضغوط التي تمارس ضدها ولكن من المهم تفعيل هذا الموقف الروسي بمواقف عربية إيجابية تعزز ولادة قطبين دوليين من جديد , فقد صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية، ألكسندر ياكوفينكو، لوكالة أنباء إنترفاكس قائلا ‘من المعروف جيدا أن إلصاق الصفات بالدول ووصف دول معينة من جانب واحد بأنها جزء [من محور الشر] لم يترتب عليه تحسن الأمن لأي طرف , وأكد على أهمية استئناف المحادثات مع الكيان الصهيوني بشأن القضية السورية, نظرا لوضع سوريا كأحد الأطراف الرئيسية في المنطقة.

إن الرياض ومن خلال دمشق ستكون قد وجهت رسالة سياسية في غاية الأهمية وبصمت وبدون جعجعة , لكل من واشنطن ولندن وتل أبيب , بأن العالم العربي لم يعد قادراً على مثل هذه الغطرسة والعربدة السياسية , وأن الانفتاح الذي قدمته العواصم العربية من سياسات التعاون مع أمريكا في السنوات الأخيرة آن لها أن تجد التقدير لدى واشنطن ولندن , وإلا فإن الدول العربية لديها خياراتها الخاصة من خلال ممارسة حقها المشروع لصيانة مصالحها ومصالح شعوبها بنوع من التوحد على الحدود الدنيا التي تساعدها على البقاء .

إن تنسيق السياسة بين محور الرياض – دمشق من الأهمية بمكان بحيث يتم توجيه رسالة للقيادة الروسية مفادها تأييد الرياض مالياً وسياسياً لشراء سوريا لأسلحة الردع العربية التي تريدها من موسكو , بل وأن الرياض قد تمضي قدماً لتعويض موسكو عن أية عقوبات اقتصادية قد تتعرض لها من قبل واشنطن , من خلال صفقات اقتصادية تقلل من تبعية موسكو لواشنطن , حينها تكون الرياض قادرة على إعادة التوازن الدولي بالمنطقة من خلال دور روسي قوي , وكسر فرض حظر بيع السلاح على منطقتنا العربية أسوة بالنتائج التي كسبتها الأمة إثر صفقة الأسلحة التشيكية المعروفة , وإعادة التوازن للموقف العربي في السياسة الدولية بحيث يكون وزراء الخارجية والساسة العرب قادرين على القيام بمناورات سياسية متكافئة أسوة بما حدث بعد حرب العاشر من رمضان عام 1973م . ولعل الرياض أكثر قدرة من طهران في مناورة أمريكا وأوروبا حيال مصالحها ومصالح الأمة معها .

إن الرياض ستكون كمن يقوم بدفع درهم وقاية خير من قنطار علاج غداً , فلو حدثت السيناريوهات المتوقعة من احتلال دمشق ستكون الخسائر العربية والسعودية منها على وجه الخصوص فوق كل التوقعات المتشائمة , بمئات المليارات من الدولارات , فقد يساهم مساعدة دمشق ببضعة مليارات بعدد أصابع اليد الواحدة في وضع مخططات أعداء الأمة في واشنطن ولندن وتل أبيب على الرف إلى أجل غير مسمى , وربما عادت هذه العواصم إلى سياسة المفاوضات والمقايضات مع الأمة بدلاً من سياسة الإملاءات التي أصابت أمتنا بالذل والمهانة أمام أمم العالم , فلعل الرياض إذ ما أقدمت على هذه الخطوة تكون قد فعلت ذلك ليس فقط من أجل دمشق عاصمة الأمويين فحسب ؛ بل من أجل مكة والمدينة والرياض أيضاً .

كتبه / د.صالح السعدون

600

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة