الصين تتهم المملكة العربية السعودية بممارسة الإغراق في السوق الصينية

الصين تتهم المملكة العربية السعودية بممارسة الإغراق في السوق الصينية
شهدت الأوساط الاقتصادية السعودية جدلاً صاخباً في الآونة الأخيرة على خلفية الاتهامات الصينية للمملكة العربية السعودية بممارسة الإغراق في السوق الصينية. وقد تصاعدت الأزمة وأثرت على سوق الأسهم السعودية,
الصين تتهم المملكة العربية السعودية بممارسة الإغراق في السوق الصينية
ماذا يعني أن تكون متهماً بالإغراق؟

منقول من مجلة عالم الإقتصاد
العدد 211

شهدت الأوساط الاقتصادية السعودية جدلاً صاخباً في الآونة الأخيرة على خلفية الاتهامات الصينية للمملكة العربية السعودية بممارسة الإغراق في السوق الصينية. وقد تصاعدت الأزمة وأثرت على سوق الأسهم السعودية, وانشغل بها المسؤولون وخبراء الاقتصاد. وكانت السمة الغالبة على تحليلات المراقبين تصب في اتجاه مقولة «اللي بيته من زجاج لا يقذف بيوت الآخرين بالحجارة» في رد على الدعاوى باتهامات مؤكدة عن ممارسات إغراق تمارسها الصين ليل نهار يدل عليها عدد القضايا المرفوعة ضد الصين والتي بلغت حتى الآن أكثر من 500 قضية إغراق.
حتى كتابة هذه السطور لا تزال الاتهامات الصينية قائمة، فيما يحاول المسؤولون السعوديون، وفي مقدمتهم مجلس إدارة مركز تنمية الصادرات السعودية بمجلس الغرف السعودية، الوقوف على طبيعة الاتهامات لدراستها واتخاذ الموقف المناسب حيالها. ولكل هذه الاعتبارات، تطرح مجلة الإغراق باعتباره قضية الشهر التي استحوذت على هذا الاهتمام الواضح. ويجيب هذا التقرير على التساؤلات الرئيسية؛ ما هو الإغراق؟ وما هي شروطه وضوابطه؟ وماذا يعني أن تكون متهماً بالإغراق؟
بداية القصة
كانت البداية عندما بدأ نشاط منظمة التجارة العالمية WTO في شهر يناير 1995م لتحل محل اتفاقات الجات GATT. وكانت انطلاقة منظمة التجارة العالمية من أهم التطورات الإقتصادية التي شهدها العالم فى عصرنا الحديث، وعلامة مميزة لأهم أحداث القرن الميلادي الواحد والعشرين، وذلك لعظم آثارها الإقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتهدف منظمة التجارة العالمية إلى تحرير التجارة الدولية.
ونتيجة لسطوة الدول الكبرى وقوانين منظمة التجارة العالمية، سعت الدول وخاصة الدول النامية إلى الانضمام إلى تلك المنظمة وتأمين حصولها على نصيب متنام من التجارة العالمية بما يمكنها من جني ثمار تحرير التجارة.
ورغم أن منظمة التجارة العالمية تهدف أساساً إلى ضمان تحرير وانسياب التجارة العالمية وبدون قيود جمركية أو غير جمركية، فهي تعد بالدرجة الأولى محققة لمصالح الدول الكبرى، ولذلك كانت تلك الدول هي نفسها التي تعرقل الاتفاقات لمنع وتنظيم عملية الإغراق، وكانت تفضل أن تترك لها الحرية لإخضاع أنظمة وتشريعات الإغراق ضمن تشريعاتها الوطنية ولا تقبل أي نوع من الرقابة عليها.
واستمر هذا الوضع إلى أن تم التوصل إلى الإتفاقيات المتعلقة بالإغراق فى إطار جولة أورجواي ( 1986 – 1995م). فرغم ما تملكه الدول الكبرى من مزايا اقتصادية، إلاَّ أنها أحياناً ما تتعنت لفرض عقوبات وقيود جمركية وغير جمركية ضد منتجات الدول النامية، والتي قد تملك مزايا نسبية مثل إنخفاض تكلفة العمالة مما يجعلها تقوم بالتصدير بأسعار منخفضة، وذلك حتى تحمي منتجاتها كما تدعي من الإغراق.
إلا أن اتفاقية الجات لم تترك قضية الإغراق وإمكانية حدوثها، لكنها نظمت شروطاً معينة لإثبات الضرر من الإغراق، وكذلك تركت للدول إمكانية الرد على دعوى الإغراق من جانب الدولة المصدرة.
مفهوم الإغراق وشروط تحقق الإغراق
تضمنت المادة السادسة من اتفاقية الجات، وعنوانها الإغراق والرسوم التعويضية Anti -dumping and countervailing Duties تعهد الأطراف المتعاقدة بتجنب سياسة الإغراق عند تصدير منتجاتها، إذا كان من شأن ذلك إيقاع ضرر جسيم بمصالح المنتجين المحليين في الدول المتعاقدة المستوردة، أو التهديد بوقوع مثل هذا الضرر، كما أنها تعطي للدولة المستوردة الحق في فرض رسوم مكافحة الإغراق.
ما هو الإغراق؟
الإغراق هو حالة من التمييز في تسعير منتج ما، وذلك عندما يتم بيع ذلك المنتج في سوق بلد مستورد بسعر يقل عن سعر بيعه في سوق البلد المصدر، مما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمنتجات المحلية المثيلة في الدولة المستوردة لهذه المنتجات، وأوضح مثال لذلك هو إغراق الأسواق الأمريكية بعصير التفاح الصيني الذي لا تتعدى تكلفته 10% من نظيره الأمريكي. وقد أدَّى النمو الهائل في حجم الإنتاج العالمي لجميع السلع إلى انتشار صراع متوحش بين دول العالم للسيطرة على الأسواق، وفقًا لنظرية التهام السوق التي تتخذها الشركات متعددة الجنسية شعارًا لها هذه الأيام، وذلك بدلاً من نظرية «توسيع الكعكة حتى يأكل منها الجميع» التي كانت سائدة في الماضي.
لذلك يمكن التحقق من وجود الإغراق، في أبسط صوره، عند مقارنة الأسعار في سوقي البلدين المستورد والمصدر، إلاَّ أنه من النادر أن يكون الحال بهذه البساطة.
ففي أغلب الحالات يجب أن تتخذ سلسلة طويلة من التحليلات المعقدة لمعرفة السعر المناسب في سوق البلد المصدر، وهو ما يعرف بالقيمة العادية، ومعرفة السعر المناسب في سوق البلد المستورد، وهو ما يعرف بسعر التصدير؛ وتحديد أسلوب مقارنة مناسب بين السعرين.

أقسام الإغراق

إغراق خارجي: وذلك في الحالة التي تقوم فيها دولة بإغراق أسواق دولة أخرى بتصدير سلعة إليها بأسعار تقل عن تكاليف إنتاجها، وهو أشهر أنواع الإغراق، وتمارسه الدول المتقدمة والنامية على السواء، مثل إغراق الأسواق الأمريكية بالصلب الياباني والروسي.
 إغراق داخلي: وذلك في حالة قيام شركة بطرح سلعة في السوق المحلية بسعر يقل عن تكاليف إنتاجها لإخراج المنافسين المحليين، وفي هذه الحالة تتبع الشركة خطة دع السوق يتنفس صناعيًّا، وحطِّم عظام المنافسين حتى يستسلم السوق ويموت المنافسون ثم نبيع السلعة بالسعر الذي نحدده.
 إغراق مؤقت: وهو الإغراق الذي تلجأ إليه بعض الدول عندما تمرّ بظروف اقتصادية غير مواتية مثل حالات الكساد أو الأزمات الاقتصادية، مثلما فعلت دول جنوب شرق آسيا خلال العامين الأخيرين حيث طرحت منتجاتها بأسعار منخفضة لتنشيط صادراتها وزيادة إيراداتها بشكل يساعدها على مواجهة أزمتها المالية.
كيف تتم مكافحة الإغراق؟
حتى يمكن أن يكافح إغراق منتج ما، فيجب أن تتحقق ثلاثة أركان لا غنى عن أي منها:
 أن تثبت التحقيقات وجود إغراق من ذلك المنتج.
 أن تثبت التحقيقات وقوع ضرر مادي على الصناعة المحلية التي تنتج منتجاً مثيلاً لذلك المنتج المغرق.
 أن يكونِ وقوع ذلك الضرر بسبب وجود ذلك الإغراق، أي أن لا يكون الضرر قد وقع بسبب عوامل أخرى وهو ما يسمى بعلاقة السببية.
وإذا ما تحققت تلك الأركان تتخذ رسوم لا تزيد عن هامش الإغراق عند دخول المنتج من المنافذ الجمركية للبلد المستورد، وتسمى هذه الرسوم برسوم مكافحة الإغراق.
القواعد الدولية لمقاومة الإغراق
تحدد القواعد الدولية أن عملية إثبات حالات الإغراق تمر بعدة مراحل هي:
 تقديم شكوى إلى الجهاز المختص بمكافحة الإغراق في الدولة المتضررة من الإغراق.
 استيفاء الشكوى حيث لا بدَّ أن يتوفر في الشكوى عدد من الشروط، أهمها أن يكون مقدم الشكوى إحدى الشركات العاملة في الصناعة المتضررة من الإغراق، وأن يؤيِّده فيها ما لا يقلّ عن نصف عدد المنتجين العاملين في الصناعة نفسها بدولته.
 التأكّد من أن الضرر الواقع على هذه الصناعة سببه الإغراق وليس عوامل أخرى.
 إخطار حكومة الدولة القائمة بالإغراق للدفاع عن نفسها.
 اتخاذ قرار بفرض رسوم جمركية إضافية على السلعة المستوردة المغرقة للسوق.
 إبلاغ منظمة التجارة العالمية بهذا القرار.

كيف يتم حساب الإغراق؟

يتحقق الإغراق إذا كان سعر تصدير المنتج أقل من قيمته العادية، ويكون الفرق بينهما هو هامش الإغراق.
ويمكن معرفة القيمة العادية للمنتج، ببساطة، بمعرفة سعره في مجرى التجارة العادي عندما يخصص للاستهلاك في سوق البلد المصدر. ولكن في حالات عديدة قد يكون من غير الممكن تحديد القيمة العادية على هذا النحو المبسط، ومثال ذلك عندما لا يوجد مبيعات للمنتج في سوق بلد التصدير. لذا يلجأ إلى سعر مقارن للمنتج المثيل عندما يصدر إلى دولة ثالثة مناسبة، أو يمكن اللجوء إلى حسابات القيمة العادية المركبة، والتي تحسب على أساس تكلفة الإنتاج مضافاً إليها تكلفة البيع والتسويق، والتكلفة العمومية والمصاريف الإدارية والأرباح، وعناصر وتفاصيل أخرى تتعلق بتكييف عناصر الحسابات.
أما سعر التصدير فيمكن معرفته من سعر الصفقة التي يبيع بها المصدر الأجنبي للمستورد، ولكن كما هو الحال مع القيمة العادية، فإن سعر هذه الصفقة قد لا يكون مناسباً لأغراض المقارنة (على سبيل المثال عندما تكون صفقة التصدير قد تمت مقايضة، أو أن هناك علاقة أو تدبير تعويضي بين المستورد والمصدر الأجنبي أو بمعرفة طرف ثالث). لذا يتم اللجوء في هذه الحالة إلى سعر التصدير المركب، والذي يتم تحديده على أساس السعر الذي تكون عنده تمت إعادة بيع أول منتجات مستوردة لمشتر مستقل، وإذا لم يكن قد تم إعادة بيعها لمشتر مستقل، أو لم يتم إعادة بيعها كواردات، فإنه يمكن اتخاذ أي أساس معقول يمكن بواسطته حساب سعر التصدير.
ما هو الضرر المبرر لاتخاذ إجراء لمكافحة الإغراق؟
إذا أوقعت الواردات المغرقة آثاراً على الصناعة المحلية، على شكل ضرر مادي، أو مجرد التهديد بوقوع مثل هذا الضرر، أو تأخير مادي في إقامة تلك الصناعة، فإن كل تلك الآثار تعتبر مبرراً كافياً لاتخاذ إجراء لمكافحة تلك الواردات المغرقة، ولكن بشرط أن يكون تحديد الضرر مؤسس على أدلة إيجابية وأن يكون ذلك على أساس الفحص الموضوعي لحجم الواردات المغرقة وتأثيرها على الأسعار، والأثر الناتج من تلك الواردات على المنتجات المحلية المثيلة. أما في حالة التهديد بالضرر المادي فيجب أن يتم التحقق منه على أساس البحث الموضوعي لمعدل الزيادة في الواردات المغرقة، وطاقة المصدرين، والتأثيرات المحتملة على أسعار الواردات المغرقة، والمخزون، بشرط أن يتم تحديد هذا التهديد على أساس من الحقائق، وليس مجرد إدعاءات أو احتمالات بعيدة، كما يجب أن يكون تغير الأحوال، بسبب الواردات المغرقة، متوقعاً بجلاء ووشيك الوقوع.

الصين أكبر المغرقين

تعتبر الصين هي أكثر دول العالم التي لديها قضايا إغراق كمتضرر أو كممارس له، فهي الدولة الأولى في العالم المـرفوع ضدها قضايا للإغراق، وكذلك الدولة المفروض على صادراتها أكبر رسوم لمكافحة هذا الإغراق، وتتركز السلع الصينية المشكو في حقها في: المنتجات الكيماوية، والدراجات، والمنسوجـات القطنية، وألواح الزجاج، وأواني الألومونيوم، وإطارات السيارات، والأسمنت الأبيض، والأحذية، وغيرها من السلع البسيطة.
وفي ظل هذه الهيمنة للدول الكبرى وانتشار ظاهرة الإغراق، من المهم أن يكون لدى الدول النامية إستراتيچية لمواجهة هذه السياسات غير المشروعة والتي تضر بالاقتصاد القومي لأي بلد، كما يجب توعية المستهلك في الدول النامية بأن الإغراق قد يوفِّر له سلعة رخيصة الثمن في الأجل القصير، ولكنه سيدمِّر صناعة محلية بكاملها في الأجل الطويل، مما يعني فقد العمال لأعمالهم، وقد يكون هو منهم، ومما يعني أن أبناءه لن يجدوا عملاً في المستقبل، والأخطر من ذلك أنه بعد عدة سنوات سيكون مضطرًا لشراء هذه السلعة بثمن باهظ دون أن يجد بديلاً لها أو منافسًا لمن يبيعها له.

587

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة