العراق بين ثلاثة استراتيجيات 2/ 4

العراق بين ثلاثة استراتيجيات 2/ 4
بواسطة: د.صالح السعدون

رؤية تاريخية جديدة :

العراق بين ثلاثة استراتيجيات
جزيرة العرب , إيران , الدردنيل
د.صالح السعدون

إستراتيجية جزيرة العرب في آخر طاقتها بالعراق في العصور القديمة :

لم تكن إستراتيجية فارس وهي في أوج قوتها تطوق العراق من شماله وشرقه بمثل هذه الانتصارات العظيمة والمقلقة , إلا لتشكل هاجساً مخيفاً لإستراتيجية الجزيرة العربية وممثليها بالعراق دولة بابل الجديدة , والتي يحكمها معاصر قورش بُعَيد وفاة نبوخذ نصر ببضعة سنوات واسمه (نابونهيد ) والذي لم يكن من بيت بختنصر نفسه , ويبدو أن إستراتيجية جزيرة العرب وممثليها بالعراق قد وجهوا سياساتهم إلى ركيزتين : الأولى : وهي التركيز على التجارة والاقتصاد لتقوية دولة بابل العراقية وجيشها في وجه الفوران العسكري الذي تشهده إستراتيجية فارس.
وفي الوقت الذي تظاهر نابونهيد بمجاراة قورش ومحالفته حتى ضد الماذيين حلفاء بابل بالأمس من قبيل المثل القائل " مكرهاً أخاك لا بطل " ؛ فقد كان هذا التحالف المؤقت بسبب أن وافق قورش الفارسي على أن تستعيد بابل حران التي ينتهي بها الطريق التجارية من السيطرة الماذية مقابل وقوفه إلى جانب قورش ضدهم , أما الركيزة الثانية : فهي أن نصَّب نابونهيد ولي عهده حاكماً على عاصمته بابل , واتجه بجيشه إلى شمالي جزيرة العرب ؛ حيث دومة الجندل وتيماء حيث اعتبر الأخيرة – أي تيماء – مركزاً له , وذلك لاستنهاض إستراتيجية جزيرة العرب لإنقاذ العراق , ورغم الإجراءات العسكرية البغيضة والقسوة التي تعامل بها مع أهالي المنطقة , إلا أن هدفه كان الاستنجاد بإستراتيجية وجغرافية جزيرة العرب كآخر حل ممكن لدرء أخطار إستراتيجية إيران عن العراق(28) , وذلك من خلال عاملين , أما الأول فهو الاستفادة من العنصر السامي البشري – ذلك الوسط البدوي العربي القوي – لتغذية جيشه بالمزيد من الرجال الأقوياء من خلال قوات فتية يحيي بها مجد دولته ويستعد بها لمعركة تبدو قريبة مع الفرس الطموحين , أما الثاني فقد كان الهدف من تيماء هو أيضاً السيطرة على الطريق التجارية المارة بتيماء من الحجاز واليمن ؛ حيث ينقسم الطريق في تيماء والتي كانت " بؤرة عظيمة للتجارة في الشمال " من جزيرة العرب فقد كانت متصلة مع بابل عن طريق دومة الجندل بطريق مباشر ؛ كما كانت تتصل بمصر عن طريق معان فالعقبة فسيناء بحيث يتفرع طريق آخر من معان إلى البتراء و بصرى (29) .
إن هذه الطرق نحو العراق إلى الشمال الشرقي عبر دومة الجندل , ونحو الغرب حيث البحر المتوسط , حيث ينقسم بدوره إلى طريقين قسم شمالاً نحو بصرى وتدمر والشام نحو العمق السوري , وقسم إلى الساحل نحو العقبة فالعريش ففلسطين (غزة ) ومصر تجعل تيماء في ذلك العصر عقدة تجارية هامة , وهنا جاء اهتمام نابونهيد بها وذلك للانتفاع باقتصادياتها , كما وسع دولته إلى سوريا من حماة إلى أدوم وغزة , ولكن نابونهيد لم يكن موفقاً حيث أن جميع سياساته باءت بفشل ذريع , فإجراءاته بتيماء ولدت نقمة عليه في تلك المنطقة , كما أن سياسات ولده في بابل أدت إلى فقرها وضعفها وفساد إدارتها , وقد كان هذا هو الوضع السياسي لدولته في عام 545ق.م. ؛ مع إعلان قورش الفارسي مشروعه لضم الهلال الخصيب لدولته تنفيذاً لإستراتيجيته ؛ متهماً الملك البابلي بأنه (( تسبب في قتل نبلائه وبتعطيل طرق التجارة بمشروعاته التوسعية الفاشلة )) ؛ وهو يرمز بذلك إلى محاولات ممثل إستراتيجية العرب بالعراق نابونهيد إلى تغيير الطريق التجاري وتفعيل طريق التجارة من الشرق عبر اليمن وجزيرة العرب من خلال عقدة التجارة بتيماء , وهو ما يضعف الطلب على التجارة الفارسية ؛ كما يشكل ضربة اقتصادية كبرى لبلاد فارس , ويفسد الخطة الفارسية لخنق بابل اقتصادياً , وهو يشبه ما حدث في أواخر القرن العشرين حين قامت إيران بخنق العراق ومنعه من تصدير نفطه من خلال جنوب العراق ؛ فاضطر إلى تصدير تجارته النفطية من خلال أنابيب البترول إلى ينبع القريب من تيماء , مما يؤكد أن العامل الاقتصادي إلى جانب العامل القومي كان أهم أسباب الصراع على العراق بين الإستراتيجيتين في ذلك العصر, ورغم صمود الملك البابلي ومحاولته لتشكيل حلف كبير لصد الهجوم الفارسي غير أن الحالة الاقتصادية والدينية والعسكرية لبابل لم تكن قادرة على الصمود أمام الطوفان الفارسي (30) .
فهزم الملك البابلي أمام قورش الذي دخل بابل بمساعدة اليهود أو السبي اليهودي ببابل , والذين هللوا للمنتصر الفارسي وتشفوا بالمنهزم البابلي (31) .
وسواء كان الملك الفارسي مدفوعاً بحبه لزوجته اليهودية إستير بحيث استسلم لرغباتها في تدمير بابل وإعادة اليهود إلى فلسطين (32) , أم أن قورش رأى في اليهود شعباً مستضعفاً ينشد الاستفادة من قوة المملكة الأخمينية لتحقق لهم أغراضهم السياسية بحيث أصبحوا عيوناً له ضد أعدائه بالمنطقة , إلى جانب رغبته في تحقيق إستراتيجيته في العراق والشرق الأدنى عموماً, فإن هذا التحالف التاريخي سيجعل الإستراتيجية الإيرانية تلجأ له كثيراً في سبيل دعم مصالحها بالمنطقة عموماً وبالعراق خصوصاً , فمنذ عهد قورش الفارسي الذي تعاون مع اليهود – السبي اليهودي في بابل – لتدمير حضارة العراق ودولة العراق , وضم العراق لجغرافية إيران مقابل إعادة اليهود إلى أورشليم القدس في عام 538ق.م. , بحيث أعطى الملك الفارسي قورش الإذن لليهود بالعودة إلى فلسطين وإعادة بناء الهيكل (الثاني ) (33) ؛ فقد أصبحت الإستراتيجية الإيرانية تتطلع دائماً إلى أعداء العراق في الغرب للقضاء على العراق ؛ وهنا فقد انحسرت إستراتيجية جزيرة العرب وممثليها بالعراق من خلال العنف وسياسة التطهير العرقي التي اتسمت به سياسة إستراتيجية إيران عبر العصور ؛ مما جعل إستراتيجية إيران وإستراتيجية الدردنيل وجهاً لوجه .

المواجهة الثانية بالعراق بين إستراتيجيتي إيران والدردنيل:
(الحقبة الأخمينية- اليونانية ):

بعد قورش حكم فارس ابنه قمبيز 530- 521ق.م. وتمكن من المضي قدماً في إستراتيجية فارس ليس في العراق والشرق فحسب , بل مضى بعيداً بأهدافه نحو مصر واجتاز الدردنيل ووصل الفرس إلى ضفاف نهر الدانوب بأوروبا بعد أن هزموا اليونان (34) , لقد طمع الفرس بثراء المدن الأيونية التي تقع على بحر إيجة , بعد سيطرتهم على طرق التجارة القادمة من الشرق , والتي كانت التجارة أشهر المهن التي يشتغل بها سكانها , كما تتبعوا المدن والجزر الهامة بثرائها كجزيرة باروس إحدى جزر الكيكلاد حيث أنها تشتهر بمناجم الذهب (35) .
وكان اليونانيين هم حراس الإستراتيجية الأوروبية أو ما أطلقنا عليه في هذا البحث اسم " إستراتيجية الدردنيل " , بحيث كان هذا الفوران والطوفان الإيراني (الفارسي) لم يأت ليحقق أهدافاً إستراتيجية لفارس سواء على المدى القريب أو البعيد ؛ وإنما كان فوراناً أدى إلى نتيجة واحدة مهمة هو أنه استفز إستراتيجية أوروبا لتضع في حسبانها الدرس الأول الذي استفادته في الصراع مع الإستراتيجية الإيرانية وهو أن الخطر الأكبر على أوروبا سيأتي دائماً من البوابة العراقية , كما استطاعت إستراتيجية الدردنيل أن تطور أهدافها على أساس أن حماية إستراتيجيتها تكمن في احتلال بلاد الشام لحماية والحفاظ على أمن أوروبا .
لقد بدأت الإستراتيجية الإيرانية تؤصل سماتها التي اتصفت بها عبر العصور منذ ذلك الزمن من خلال سياساتها ؛ فقد ضيّق الفرس على اليونان في تجارتهم والتي أصيبت بالشلل التام منذ احتلال المدن الساحلية على بحر إيجة , بل إن مساعدة الفرس للفنيقيين على حساب اليونان كمنافسين للتجارة اليونانية جعل التجارة اليونانية تصاب بخسارة فادحة , كما كان الإيرانيين (الفرس) عنيفين ودمويين في تعاملهم مع المدن الإغريقية ؛ فقد قاموا على سبيل المثال بتخريب مدينة ميليتوس وقتلوا معظم رجالها , وفرضوا العبودية على نسائها وأطفالها وكذلك فعلوا مع مدينة إريتريا حين استعبدوا جميع سكانها وأحرقت المعابد والبيوت (36) , ورغم الدور الذي قامت به اسبرطة وأثينا في مقاومة الهجوم الإيراني وتمكنهما من صده فإن التصرفات البربرية – حسب رأي اليونانيين بالفرس – والتي قام بها الفرس جعلت اليونانيين يعملون على توحيد بلادهم على يد فيليب ملك مقدونيا 356ق.م.- 336ق.م. والذي بعد أن درب جيشه جيداً أعلن خطته في تنفيذ فكرة الانتقام من إيران(فارس) التي سيطرت على قادة الإغريق منذ عام 401-400ق.م.
مما جعل الإغريق يتوحدون خلف فيليب والذي رغم أنه أعلن مشروعه وعزمه على المغامرة إلا أن خليفة الملك اليوناني الإسكندر المقدوني هو الذي وضع تلك السياسة على رأس أولوياته وهي محاربة الفرس والانتقام منهم , فعبر الدردنيل على رأس جيش كبير نحو الأناضول يتقدم جغرافية وإستراتيجية الدردنيل , حيث استولى على الأناضول ملحقاً الهزيمة تلو الأخرى بجيوش فارس التي كانت قد وصلت في الدانوب إلى آخر مدها , ويبدو أن الفرس قد أفاقوا من سكرة انتصاراتهم , فعرض الملك دارا على الإسكندر بعد هزيمته في معركة إيسوس عام 333ق.م. تسليمه كامل الجزء الغربي من إمبراطوريته حتى نهر الفرات , ولكن الإسكندر رفض ذلك العرض , وتابع الجيش الفارسي المنهزم حتى الأراضي السورية فدمشق ثم صور فالقدس فمصر ثم عاد إلى سوريا فالعراق حيث دارت معركة فاصلة مع الجيش الفارسي في موقع ( كونكيله) شمال أربيل سحق بها الجيش الفارسي( الإستراتيجية الإيرانية ) ثم واصل فتوحاته حتى سواحل الهند وجبال الهملايا , ثم عاد إلى بابل لتنظيم هذه الأملاك والفتوحات الواسعة ولكنه توفي هناك عام 323ف.م. لقد كان (( فتح الأسكندر الكبير لفارس وقضاؤه على الإمبراطورية الفارسية الأولى هو الذي مهد السبيل للامتداد الشرقي للعالم الأغريقي ))(37) . وبهذا فقد هزمت الإستراتيجية الإيرانية هزيمة ساحقة أمام إستراتيجية الدردنيل ليس بالعراق فحسب ؛ بل في الهضبة الإيرانية نفسها .

المواجهة الثالثة بالعراق بين إستراتيجيتي إيران والدردنيل:
(الحقبة الساسانية – البيزنطية ) :

بعد سنوات طويلة حكم قادة الأسكندر المقدوني ( السلوقيين ) العراق , ظل العراق بعيداً عن السيطرة الإيرانية كما ظل حلم تلك الإستراتيجية وفردوسها المفقود , حتى جاء عهد الإمبراطور جستنيان ؛ حيث تكالبت الأعداء على الإمبراطورية البيزنطية من كل جانب ؛ فمن ناحية الشمال جاء الصقالبة , ومن الغرب ظهر خطر القوط الشرقيين والغربيين والممالك الجرمانية , ومن الشرق ظهر من جديد خطر الفرس (الإستراتيجية الإيرانية ) , وحيث كان خطر الوندال على أفريقيا كبيراً فقد اضطر إمبراطور القسطنطينية إلى توقيع معاهدة صلح مهينة مع العدو الإيراني على أبواب الحدود الشرقية .
وكانت إيران قد حدث فيها تغيير في السلالة المالكة في عام 532م حيث حكمهم ملك جديد هو كسرى أنوشروان بن أردشير, وكانت لديه طموحات بناء إمبراطورية كبرى , واضطر الإمبراطور البيزنطي أن يدفع للفرس جزية سنوية ضخمة اعتبرت مهينة للإمبراطورية البيزنطية , وكانت هذه المعاهدة إلى أجل غير مسمى , وكان جستنيان يرى ضرورة القضاء على خطر الوندال وتهديدهم للممتلكات الإفريقية لبيزنطة أولاً, ورغم تشكك القيادة البيزنطية في نجاح خطة نقل الجيش البيزنطي إلى هناك بحراً والقضاء على خطر الوندال , إلا أن المعاهدة مع الفرس جعلت ذلك أمراً ممكناً وتم نقل الجيش البيزنطي بحراً من الشرق إلى الغرب ؛ مما ترتب عليه أن أصبح الشرق مكشوفاً أمام الإستراتيجية الإيرانية ( العدو الفارسي الذي سيصبح عدواً تقليدياً لبيزنطة ) (38) .
كانت العراق منطقة حيوية للإمبراطورية الفارسية فالمدائن بنيت على ضفاف دجلة إلى الشمال الشرقي من بغداد الحالية , وكانت إستراتيجية وجغرافية إيران ترى أن أرض العراق هي من الأهمية القصوى بمكان بالنسبة للإستراتيجية الإيرانية بحيث أنها أصبحت مركز إيران نفسها , ولعل وجود العاصمة الفارسية على أرض العراق هو أكبر دليل على الأهمية الحيوية لأرض العراق بالنسبة لفارس , ولعل الوجود الفارسي بالعراق والوجود البيزنطي ببلاد الشام يجعل الاحتكاك بين إستراتيجية وجغرافية أوروبا والدردنيل من جهة وإستراتيجية وجغرافية إيران من جهة أخرى ليس وارداً فحسب , بل ومتوقعاً في كل لحظة , خاصة وأن أطماع كسروية فارس باستعادة أمجاد قورش قد تجددت آنذاك , إلى جانب تاريخ حافل بالعداء والحروب على الحدود بين الإمبراطوريتين .
كان كسرى أنوشروان يتميز بالذكاء والمهارة , واستغل مغامرة الإمبراطور البيزنطي في غرب الإمبراطورية , وغياب الجيش البيزنطي عن الشرق , وصعوبة نقله قبل تحقيق إيران انتصارات يصعب على بيزنطة مواجهتها , ومستغلاً استنجاد القوط الشرقيين به , فنقض معاهدة الصلح الدائمة مع بيزنطة , وبدأ حرباً كبيرة وعداء سافراً ضد الحدود الشرقية للإمبراطورية البيزنطية , وانطلق الجيش الفارسي نحو الغرب حتى البحر المتوسط وأنطاكية ذات الأهمية الإستراتيجية والدينية والديموغرافية والاقتصادية لبيزنطة , ثم اندفع الجيش الفارسي شمالاً نحو البحر الأسود وأمام هزائم بيزنطة اضطر جستنيان إلى عقد معاهدة مهينة أخرى لمدة خمس سنوات مقابل دفع جزية كبيرة , ولكن في نهاية المطاف سئم أنوشروان الحرب فوقع معاهدة لمدة خمسين عاماً مع بيزنطة وتضمنت المعاهدة شروطاً خاصة بالجزية التي تدفعها بيزنطة لفارس إلى جانب شروط دينية واقتصادية تجارية وانسحاب فارس من شرق البحر الأسود , غير أن الإمبراطورية الفارسية قد سيطرت على الشرق الأدنى بينما أفل نجم بيزنطة في تلك المنطقة (39) .
وبهذا النصر فقد تمكنت إستراتيجية وجغرافية فارس من السيطرة والاستئثار على أرض العراق الغنية والمهمة بالنسبة لها , وتمكنت من إبعاد شبح خطر إستراتيجية وجغرافية الدردنيل وأوروبا المتمثلة في هذا العصر ببيزنطة .
لقد كان العراق مهماً للإستراتيجية الإيرانية وإستراتيجية الدردنيل البيزنطية ؛ بحيث أنها من خلال الملاحة النهرية في دجلة والفرات تتحكم بممرات التجارة العالمية آنذاك , فقد كانت تجارة أوروبا مع الشرق كلها سواء كانت مع الصين أو الهند وأغلى السلع وأندرها تمر إلى القسطنطينية من خلال العراق في الغالب ؛ مما جعل العاصمة البيزنطية تتحول إلى وسيط تجاري بين الشرق والغرب , ولذا فإن سيطرة الفرس أيضاً على العراق جعله بمقدوره أن يصبح وسيطاً بين الشرق وبيزنطة نفسها فضلاً عن التحكم بتجارتها مما جعل الفرس يحرزون أرباحاً هائلة من تلك التجارة وذلك من خلال الطريق البري الذي يطلق عليه طريق الحرير من الصين إلى شمال الفرس عبر بخارى , أو من خلال الطريق البحرية التي كانت السفن التجارية الصينية تصل به إلى سيلان ثم تتمكن السفن الفارسية من حمله نحو مصب شط العرب ومن خلال دجلة والفرات يتم نقلها إلى المواقع التجارية التي حددتها المعاهدة , ولذلك فقد نصت المعاهدة التي وقعت بين الطرفين عام 562م على أنه يتحتم على التجار الفرس والبيزنطيين ألا يباشروا تبادل تجارتهم إلا في مواضع معينة حيث يجري تحصيل الرسوم للدولتين (40) .
ولعل هذا ما يفسر محاولة بيزنطة إقامة حامية عسكرية بالقرب من أيلة ( العقبة ) لتحصيل المكوس ونقل تجارة الشرق من خلال فلسطين وسوريا , إلى جانب التحالف مع الحبشة من أجل احتلال اليمن لفك الطوق التجاري الذي أحكمه الفرس عليها في تجارة الشرق أي أن إستراتيجية الدردنيل قد حاولت الاستفادة من سياسة إستراتيجية جزيرة العرب في حربها الاقتصادية مع الإستراتيجية الإيرانية وبالخصوص من تجربة نابونهيد الذي حاول أن يفك الحصار الاقتصادي للإستراتيجية الإيرانية بنقل مركز دولته من بابل بالعراق إلى تيماء بشمال جزيرة العرب لفتح خطوط تجارية جديدة بعيدة عن سيطرة الإستراتيجية الإيرانية والسيطرة وإدارة وتشغيل تجارة اليمن مع الهند والصين من خلال تلك العقدة التجارية الهامة (تيماء) , كما يفسر ما قام به الفرس من احتلال بلاد اليمن كاحتلالها لبلاد العراق وذلك من أجل التحكم بالطرق التجارية المباشرة بين الشرق والغرب , بحيث أنها أكملت الطوق على بيزنطة بما يشبه الحصار الاقتصادي بأهم السلع التجارية الواردة من الشرق كالحرير والتوابل والعطور والقطن والأحجار الكريمة .
لقد كانت التجارة العالمية تتأثر بقوة بالعلاقات بين الإستراتيجيتين في العراق ( إستراتيجية إيران وإستراتيجية الدردنيل ) ذلك البلد الذي يعطي لإستراتيجية إيران الحياة , ولأن القرن السادس الميلادي قد شهد من الحروب بين بيزنطة وفارس بحيث غطت معظم عقوده , فقد تأثرت التجارة بين الشرق والغرب وتعرضت إلى خسائر فادحة .
وسنلاحظ أن إستراتيجية الجزيرة العربية تنزوي منطوية ومتقوقعة على نفسها فالعراق أصبحت ميداناً للإستراتيجية الإيرانية وظل العرب التبابعة ومن بعدهم المناذرة وبقايا الساميين مجرد أتباع خاضعين أو موالين للجبروت الكسروي(41), بل لحق الضيم العرب في عقر دارهم اليمن ؛ بحيث خضعوا للأحباش حلفاء بيزنطة ثم للفرس من بعدهم , وبهذا فإن إستراتيجيتي إيران والدردنيل ستجدان في الشرق الأدنى ملعباً لتبادل الانتصارات العسكرية والسياسية فيما بينهما في ظل مرحلة السبات الكبير لإستراتيجية جزيرة العرب في تلك المرحلة .
وقد ذهبت سياسات جستنيان كلها سدى لمحاولات التطويق والاحتواء للإمبراطورية الفارسية (الإستراتيجية الإيرانية ) من خلال تكوين تحالفات مع الأتراك في أواسط آسيا لنقل الحرير إلى بيزنطة بعيداً عن بلاد فارس , ولكن تلك الطريق كانت برية طويلة وشاقة وكثيرة الأخطار لذلك لم تنجح , وكانت روما – قبل بيزنطة – قد حاولت السيطرة على اليمن من خلال حاكم مصر الروماني , ولكن تلك الحملة حملة جلوس 24ق.م. للسيطرة على طريق التجارة وما أسمته تطهير البحر الأحمر من القراصنة , قد فشلت فشلاً ذريعاً وأصيب رجالها بكارثة خيبت آمال الرومان , فعدلوا عن فكرة ضم بلاد العرب عسكرياً , واقتصرت خططهم على السيطرة على التجارة البحرية فحسب (42 ) .
وإلى جانب ذلك حاولت بيزنطة كخلفاء لنفوذ روما في الشرق إلى اصطناع مملكة أكسوم بالحبشة والتحالف معها بوصفهم دولة مسيحية من أجل جعلهم وسطاء تجاريين لتوابل الهند وسلع الصين من خلال طريق التجارة مع بلاد العرب والهند نحو شمال القلزم (البحر الأحمر ) , وقد فشل الأحباش في منافسة التجار الفرس هناك , كما أدت هذه المنافسة إلى مغامرات حبشية ؛ وإن اصطبغت تلك المغامرات وخاصة الاحتلال الثاني منها ؛ بأهداف دينية إلا أن أهدافها الاقتصادية كانت واضحة – لاحتلال اليمن – وذلك في عام 525م أعقبها طرد النفوذ الحبشي من اليمن لصالح النفوذ الفارسي ؛ بحيث تم إحكام الطوق على بيزنطة وتمكنت الإستراتيجية الإيرانية من خلال سيطرتها على العراق من هزيمة بيزنطة , بل والسيطرة على طرق التجارة حتى عصر هرقل الذي أدرك أن الفرس أصبحوا أصحاب السلطان الفعلي على سواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر وتجارة التوابل والحرير , وأنهم قد تمكنوا من خنق اقتصاد حليفتهم مملكة أكسوم الحبشية أيضاً (43) .
في هذا العقد من القرن السادس الميلادي بدأ العالم بالتميُّز إلى قسمين قسم مؤمن بالله على ما لديه من مغالطات دينية كبيرة للديانة التوحيدية التي نزلت على عيسى عليه السلام تقوده بيزنطة , وفريق وثني يقوده الفرس , ورغم أن جامعة أثينا كانت – وهي مركز الفلسفة اليونانية – تمثل آخر معاقل الوثنية في أوروبا , فقد قام جستنيان ببإغلاق جامعة أثينا ومضايقة علمائها من خلال نفيهم ومصادرة ممتلكاتهم ؛ بحيث أدى هذا القرار إلى انهيار تلك الجامعة وفقدت أثينا نفسها أهميتها الثقافية وأصبحت كمدينة ضئيلة الأهمية ؛ وكان ذلك كله يصب في مصلحة جامعة القسطنطينية , فاضطر فريق من فلاسفة جامعة أثينا إلى الارتحال إلى فارس كمركز عالمي كبير وقائد للوثنية , فرحبت بهم فارس , وفي الوقت الذي رحبت كسروية فارس بالوثنية العالمية واليهود , حيث كانت بيزنطة تقوم أيضاً باضطهاد الطائفة اليهودية إلى جانب الطائفة الوثنية في بلدانها .
وكان اليهود قد قاموا بثورات ضد بيزنطة في فلسطين , ودمرت معابدهم وأجبر ما تبقى منهم على تلاوة التوراة باليونانية في المعابد , ولعل الفرز قد ساد بين المجتمعات العالمية نحو الانقسام الديني هذا حتى أوائل القرن السابع الميلادي بحيث سيشارك اليهود والوثنيين مع الفرس أمانيهم , كما سيتشارك الموحدون أو أصحاب الديانات السماوية المسيحية والإسلامية عداءهم للحزب الآخر ( 44) .
شهدت الإمبراطوريتين تغييرات جذرية على صعيد القيادات في العقد الأخير من القرن السادس الميلادي , فقد حكم كسرى الثاني أبرويز فارس , بمساعدة وتأييد الإمبراطور موريس آخر سلالة جستنيان ؛ بحيث كافأ بيزنطة بالتنازل الطوعي من خلال معاهدة 591م عن أرمينيا الفارسية والإقليم الشرقي من الجزيرة العراقية بما في ذلك مدينة دارا الهامة , إلى جانب إعفاء بيزنطة من الجزية , في حين حدثت ثورة للجند بقيادة فوكاس أحد القادة العسكريين وأطاح بآخر سلالة جستنيان موريس و مثل بجثته , مما جعل كسرى يعلن حرباً ضروساً على بيزنطة في مطلع القرن السابع 602-610م بحيث أشرفت بيزنطة على الانهيار (45) .
ولعل الصداقة التي ربطت كسرى الثاني (أبرويز) بموريس الذي ساعده على الوصول إلى عرش فار س جعل كسرى الثاني يصمم على الانتقام من قاتليه واسترجاع ما منحه طواعية لموريس , واخترق خطوط الدفاع البيزنطية في وقت كانت الإمبراطورية البيزنطية تعاني من أشد حالات ضعفها بسبب الحروب الداخلية إلى شفا الانهيار , بحيث أنها افتقرت إلى الموارد كافتقارها إلى العزيمة , مما جعل الهزائم تتوالى عليها ؛ فاستولى كسرى على دارا سنة 605م التي كان قد تنازل عنها طوعاً لبيزنطة في وقت سابق , ثم نفذ إلى آسيا الصغرى , و هوجمت بيزنطة من الصقالبة والآفار , وازدادت الثورات عنفاً في البلقان , وأصبحت بيزنطة في مهب الريح , لولا أن هرقل قد أعلن الثورة في أفريقية وانضمت إليه مصر , بحيث وصل أسطوله أمام القسطنطينية في أكتوبر 610م .
ومع ذلك فقد استمر الفرس في اكتساح الشرق الأدنى من ممتلكات بيزنطة وفي العام التالي لتولي هرقل كإمبراطور لبيزنطة 611م ؛ حيث استولوا على أنطاكية ودمشق وطرسوس وأرمينية , ولكن تحولت الحرب السياسية إلى حرب دينية حين قام الوثنيون الفرس ومعهم اليهود باحتلال القدس وتدميرها وإحراق المدينة بما فيها كنيسة القيامة بما تمثله من رمزية للديانة المسيحية , واستولوا على صليب الصلبون والذي يعتبر أثمن المقدسات المسيحية , ونقلوه إلى عاصمتهم اكتسيفون ( المدائن ) كعادتهم بمقدسات بابل التي نقلوها إلى عاصمتهم سوسة , ولعل اليهود في فلسطين وجدوها فرصة للانتقام من أعدائهم المسيحيين إلى جانب حلفائهم التاريخيين الفرس بحيث قاموا بالسلب والنهب والمذابح .
ولعل هذا الهجوم الفارسي الوثني – للإستراتيجية الإيرانية- قد نتج عنه نتائج كثيرة أهمها انقسام العالم إلى قسمين قسم يتبع الديانات السماوية وهم المسيحيون البيزنطيون ومن في فلكهم إلى جانب المسلمين من قريش كديانة سماوية موحدة حيث عايرهم وثنيو قريش بانتصار الوثنية على الديانات السماوية , كما حزن المسلمون لانتصار الفرس الوثنيون , مع أن الهزائم البيزنطية – من جانب آخر – قد أعطت الجرأة للعرب – بعدئذ – لمهاجمة الممتلكات البيزنطية ذاتها , وازدادت الكوارث على بيزنطة بين 612-619 م حيث تم للفرس احتلال آسيا الصغرى حتى مضيق البسفور مقابل القسطنطينية ثم احتلال مصر , وبلغت الحرب بين إستراتيجية الدردنيل وإستراتيجية إيران مداها ونهايتها للمرة الثانية , ولكن فجأة انهارت قدرات إيران العسكرية بشكل فاق في السرعة والشدة ما حدث لانهيار بيزنطة , فقد عمل هرقل إلى إصلاح عسكري شامل , بحيث كان هذا التغيير سبباً في انتصارات باهرة حققتها بيزنطة , إذ نهضت بيزنطة من جديد , وما لبث الجيش الفارسي أن تعرض لهزيمة ساحقة (46) .
وبهذا فقد تمكن القيصر هرقل من إعادة تماسك الدولة البيزنطية, وتمكن من إعادة تسليح جيشها , وكان هرقل قد أمضى وقتاً جيداً في تدريب جيشه في آسيا الصغرى ودراسة الخطط العسكرية , كما قام بعكس ما قام به الإمبراطور جستنيان بحيث وقع معاهدة مع الآفار ودفع لهم جزية كبيرة وبعض الرهائن مقابل أن يسمحوا له بنقل جيشه من أوروبا إلى الشرق لمحاربة إيران .
لقد استفزت إستراتيجية إيران إستراتيجية الدردنيل وأجبرتها على أن تعود من جديد نحو الشرق والعراق ,كما فعلت بالإسكندر المقدوني إبان الإمبراطورية الأخمينية الفارسية , وقد تمكن هرقل من اختيار أرض المعركة ؛ بحيث أجبر الجيش الفارسي على الانسحاب من مواقعه الدفاعية في آسيا الصغرى نحو أرمينيا خلف الجيش البيزنطي , حيث حقق هرقل أول انتصار ساحق حرر آسيا الصغرى من أيدي الجيش الفارسي , حيث عاد هرقل لعاصمته لتجديد المصالحة مع الآفار عام 623م , بيد أن كسرى الثاني لم يستطع قراءة الأحداث , ورفض إقرار الهدنة التي طلبها هرقل , وأرسل له خطاباً ملئ بالشتائم للديانة المسيحية , فأجبر ذلك هرقل على الخروج من عاصمته إلى أرمينيا من جديد ؛ ثم اتجه إلى جانزاك المدينة الإيرانية ذات الطابع الديني والتي تعتبر عاصمة أردشير أول ملوك السلالة الساسانية الفارسية , ففر منها أبرويز ( كسرى الثاني ) فسقطت بيد هرقل فخربها وأحرق معابدها كما فعل الفرس ببيت المقدس .
ورغم المصاعب العسكرية التي واجهت هرقل في عامي 624و 625م ورغم أن عام 626م كان أكثرها صعوبة حين تحالف أعداء بيزنطة من جديد الآفار والفرس حتى تمكن الفرس من الوصول إلى البسفور من جديد , إلا أن هزيمة الآفار جعل الجيش الفارسي الرئيسي يتراجع بدون نظام إلى الشام ؛ بينما هُزم جيش فارسي آخر على يد أخي هرقل , وتمكن هرقل عام 627م من التوجه مباشرة لقلب بلاد عدوه , وفي نينوى بالعراق حدثت المعركة الحاسمة التي قررت مصير الصراع بين إستراتيجيتي لإيران والدردنيل ؛ حيث انتصر هرقل انتصاراً باهراً , وهزم الجيش الفارسي هزيمة ساحقة وتعرض لخسارة فادحة , وفي أول عام 628م دخل هرقل داستاجرد مقر كسرى التي فر منها , وفي تلك الأحداث المخيبة لآمال راسمي الإستراتيجية الإيرانية حدث تمرد داخلي وعزل كسرى وقتل على يد ابنه قباد شيرويه , والذي عقد الصلح مع هرقل .
واستردت بيزنطة ممتلكاتها السابقة بالجزيرة العراقية شمال العراق – وهو الشيء نفسه الذي سيتكرر في عام 1514م مع إسماعيل الصفوي _ وأضافت إليها أرمينيا , وبهذا فقد استردت إستراتيجية الدردنيل إلى جانب الجزيرة العراقية فلسطين وسوريا ومصر , ووصل الهوان بإستراتيجية إيران أن أوصى كسرى شيرويه في مرضه الذي مات فيه أن هرقل هو الوصي على ابنه معلناً أن ابنه ووريثه عبداً للإمبراطور البيزنطي , وبعد عودته إلى عاصمته ارتحل من جديد إلى الشرق مع زوجته لإعادة الصليب المقدس إلى موضعه في عام 630م , لقد انتصر معسكر الديانات السماوية على الوثنية مثلما نزل في القرآن في سورة الروم ؛ بحيث اعتبر المسلمين أن هذا رداً على فرحة قريش بانتصار الفرس الوثنيين على بيزنطة قبل بضعة سنين , ولعلنا نشير هنا إلى أن السلام قد عم العلاقات بين إستراتيجيتي الدردنيل وجزيرة العرب في العصور القديمة عدا حالات قليلة في التاريخ ؛ ولعل هذا التضامن الجديد بين إستراتيجية جزيرة العرب والدردنيل مع بداية الديانة الإسلامية هو أمر غريب ونادر في التاريخ , إذ لن يستمر هذا التضامن أو المشاركة بفرحة النصر لإستراتيجية الدردنيل إلا لسنوات قليلة جداً بينما انطبعت إستراتيجيتي جزيرة العرب والدردنيل بالعداء المطلق سواء كان على مستوى العراق أو الصراع الحضاري بشكل عام (47) .
لقد مهدت هذه الحرب الضروس بين الإستراتيجيتين لإيران والدردنيل الأرض في بلاد الشرق الأدنى – العراق وبلاد الشام ومصر – الأرض لإستراتيجية جزيرة العرب التي ستبدأ بعد سنوات قليلة غزوها للعراق كمنطقة تعتبر امتداد طبيعي لجزيرة العرب وأهلها منذ مئات السنين .
كان العرب قوة نائمة وراء كثبان الصحراء , ولم يكن قد آن أوان خروج هذا المارد العملاق من قمقمه آنذاك , حتى زاد غرور الفرس وكسرى أبرويز – المشار إليه – وداس كسرى الملك العربي النعمان بن المنذر ملك المناذرة تحت أرجل الفيلة عام 604م , فثأر العرب في معركة ذي قار عام 609م من كسرى وجيوشه التي تلقت أول هزائم النكبة التي ستتوالى على فارس الوثنية , ولعل تصرفات كسرى العنيفة ضد العرب بدون مبرر ؛ ما هي إلا نتيجة لتوقعات الإستراتيجية الإيرانية بصحوة عربية باتت على الأبواب , حيث جاء الإسلام ليخضعها نهائياً تحت لوائه .وانكفأت الدولة البيزنطية تدافع عن بقائها في الأناضول , كان ذلك هو الصراع الحضاري الأول حول العراق بين إيران ( كسروية فارس ) وجزيرة العرب ومضيق الدردنيل وبحر إيجة أو قل القسطنطينية سابقاً إستانبول حالياً .

تبادل الصراع على العراق بين الإستراتيجيات الثلاثة :

لم تلبث إستراتيجية الدردنيل إلا القليل في العراق , ورغم استعادة إستراتيجية إيران لنفوذها لفردوسها الثمين ؛ فإنها ظلت تتخبط وتنتظر فقط القوة التي تطيح بها خارج العراق , في وقت كانت الدردنيل لا ترى كثير اهتمام بالعراق ذاته – آنذاك – أكثر من أنه يشكل نهاية الطريق التجاري الذي ينتهي بحران بشمال الجزيرة العراقية , بينما ظلت إستراتيجية جزيرة العرب تتحفز نحو العراق ؛ وكانت قد بدأت القبائل العربية تتسلل نحو جنوب العراق شيئاً فشيئاً وتكون ممالك كمملكة المناذرة , والتي رغم خضوعها لكسرى؛ إلا أنها بدأت تتحفز نحو الثورة مستغلة تجييش المشاعر العربية ضد المظالم الفارسية سواء كانت تلك المظالم ضد العرب بشكل عام ؛ حيث نزع كسرى سابور الثاني أكتاف خمسين ألف عربي حتى أطلق عليه "ذي الأكتاف "؛ أم ما فعله خلفه كسرى أبرويز ضد النعمان بن المنذر ملك المناذرة العربي بالعراق بشكل خاص حيث قتل عام 604م ؛ فتمكن ممثلي جزيرة العرب بالعراق من هزيمة الجيش الفارسي لأول مرة في عام 609م ,(48) .
ثم جاء تصرف كسرى فارس بتمزيقه لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وبشارة الرسول لأصحابه بتمزيق ملك كسرى ليصب في رفع الروح المعنوية للعرب المسلمين ؛ بل وحتى والي كسرى باليمن باذان أسلم وانضم لدولة الرسول صلى الله عليه وسلم حين أبلغ الرسول عليه السلام رسل باذان بمقتل كسرى على يدي ابنه (49) , ومن هنا تأتي ثاني الوثبات التي قامت بها إستراتيجية جزيرة العرب نحو العراق أمام إستراتيجيتي إيران والدردنيل لتسيطر إستراتيجية جزيرة العرب على العراق بشكل نهائي بين عامي 11هـ – 320هـ , فيما أطلقنا عليه حقبة المدينة المنورة .

د. صالح السعدون

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

3 تعليق على “العراق بين ثلاثة استراتيجيات 2/ 4”

  1. إلى الدكتور الفاضل

    د/صالح السعدون

    جزاك الله عنا ألف خير

    فكم يسعدني أن ألقى كتابات مثل هذه

    وكم أنت كريم بنشر مقالاتك وجعل الجميع يستفيد منها

    جعلها الله في ميزان حسناتك

    فأنا طالبة ماجستير وأستفدت منها الكثير

  2. د.صالح السعدون

    الكاتب :(زائر)
    إلى الدكتور الفاضل

    د/صالح السعدون

    جزاك الله عنا ألف خير

    فكم يسعدني أن ألقى كتابات مثل هذه

    وكم أنت كريم بنشر مقالاتك وجعل الجميع يستفيد منها

    جعلها الله في ميزان حسناتك

    فأنا طالبة ماجستير وأستفدت منها الكثير

    بارك الله فيك
    وأشكرك على الدعاء أجمل ما يمكن أن يهديه إنسان مسلم لأخيه
    أشكرك وأدعو الله أن يتقبل منك لي ولك ولمن نحب وأن يرزقنا سعادة الدارين
    بارك الله فيك
    د.صالح السعدون [/color]

  3. [url]http://forum.onothty.net/f13.html[ll]فساتين سهره[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f14.html[ll]فساتين للعروس[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f15.html[ll]فساتين للحوامل[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f21.html[ll]تسريحات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f20.html[ll]مكياج[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f23.html[ll]رجيم[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f17.html[ll]عبايات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f16.html[ll]ازياء اطفال[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f22.html[ll]العنايه بالبشره[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f41.html[ll]بلاك بيري[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f41.html[ll]برودكاست[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f60.html[ll]صور مسن[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f31.html[ll]ديكورات المنزل[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f32.html[ll]ديكورات المطبخ[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/[ll]منتدى انوثتي[/url]
    [url]http://www.onothty.net/[ll]انوثتي[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f42.html[ll]ايفون[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f43.html[ll]جالكسي[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f25.html[ll]زفات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f33.html[ll]الاشغال اليدوية[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f36.html[ll]سلطات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f37.html[ll]حلى[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f38.html[ll]معجنات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f26.html[ll]قاعات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f27.html[ll]بوفية[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f25.html[ll]توزيعات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f19.html[ll]عطورات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f18.html[ll]اكسسوارات[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f11.html[ll]عيادة[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f9.html[ll]حياتي الزوجية[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f35.html[ll]الاكلات الشعبيه[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f59.html[ll]وظائف نسائية[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f47.html[ll]المرحله المتوسطه[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f48.html[ll]المرحله الابتدائيه[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f49.html[ll]المرحله الثانويه[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f51.html[ll]عروض بوربوينت[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f8.html[ll]اسرتي[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f10.html[ll]الانثى[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/f40.html[ll]الرياضة النسائية[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t670.html[ll]تسريحات ناعمة 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t669.html[ll]تسريحات للجامعه 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t534.html[ll]قصات شعر قصير 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t696.html[ll]مكياج سهرات 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t502.html[ll]مكياج 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t647.html[ll]مكياج فخم 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t544.html[ll]فساتين ترتر 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t531.html[ll]فساتين ناعمه 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t530.html[ll]فساتين سهرة طويلة 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t526.html[ll]فساتين سهره قصيره 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t494.html[ll]فساتين 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t495.html[ll]فساتين سهره 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t485.html[ll]ازياء كورية 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t643.html[ll]فساتين حوامل قصيره 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t535.html[ll]ازياء حوامل 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t639.html[ll]ملابس حوامل 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t420.html[ll]فساتين زفاف 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t484.html[ll]ديكورات فخمة 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t512.html[ll]ديكورات منازل 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t695.html[ll]ديكورات ايكيا 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t441.html[ll]برودكاست ايفون 2013[/url]
    [url]http://forum.onothty.net/t628.html[ll]توبيكات واتس اب[/url]

التعليقات مغلقة