أسرار الغيبيات في التاريخ الإسلامي 1/2

مقدمة للموضوع :

لعله من الصعب على أي شخص أن يفكر ولو مجرد تفكير بالكتابة عن موضوع كبير كهذا الموضوع , قليل المصادر نادر الأخبار والروايات ,ولطالما تمنيت وأنا أقرأ شذرات هنا وهناك خلال سنين طويلة , أن أستطيع البحث فيه , أسراره , كنهه , حيثياته التاريخية والدينية والطبية , البشرية منها وغير البشرية …

مقدمة للموضوع :

لعله من الصعب على أي شخص أن يفكر ولو مجرد تفكير بالكتابة عن موضوع كبير كهذا الموضوع , قليل المصادر نادر الأخبار والروايات ,ولطالما تمنيت وأنا أقرأ شذرات هنا وهناك خلال سنين طويلة , أن أستطيع البحث فيه , أسراره , كنهه , حيثياته التاريخية والدينية والطبية , البشرية منها وغير البشرية ( وهو ما يتعلق بالملائكة والجن المسلمين من جهة , أو الجن من غير المسلمين والشياطين من جهة أخرى ) وقد رأيت أن أكتب بما تجمع لدي من نصوص تاريخية ودينية وتفسيرات منطقية وعقلانية, معتمداً على توفيق الله سبحانه وتعالى وما تجمع لدي من معلومات ثمينة من الصحاح وأمهات كتب التاريخ الإسلامي .

ولعلنا أولاً نحاول تصنيف هذه الغيبيات لعدة أنواع :-

اولاً : ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أحـــاديث صحيحة بالدرجـــة الأولى ويمكننا الأستعانة بالأحاديث الأخرى في بعض التفسيرات .

ثانياً : قصص التاريخ التي ثبتت بشكلٍ أو بآخر وتواترت صحتها ,.

ثالثاً : ما تواتر من تفسيرات قديمة أو حديثة .

النبوة الصادقة :

منذ أن جاءت رسالة الإسلام ونزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم , أغلقت أبواب إستراق السمع على الجن والشياطين الذين كانوا قبل ذلك يسترقون السمع من أحاديث ملائكة السماء فينزلون بالأخبار إلى الأرض يبلغون الكهان والعرافين بما سيكون في المستقبل , وأصبح هناك نجوم راصدة لتحركات الشياطين من مسترقي السمع , فكل شيطان يحاول فعل ذلك يجد له شهاباً رصدا (( وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً *وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا * وإنا لا ندري أشرٌ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ))(سورة الجن آية8-10).

ويقول ابن هشام في سيرة ابن هشام ((فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع , وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها فرموا بالنجوم , فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر العباد )) (ابن هشام ص 47) . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق بالحق وكما قال الله سبحانه في محكم التنزيل (( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )) , لذلك فكل الغيبيات التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليها كل مسلم كمسلمات من الصعب مناقشتها إلا من قبيل فهمها والعلم بمغازيها وحكمتها وما إلى ذلك .

غير أنه هناك أشياء أخرى نحاول مناقشتها وتتبعها , فقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً مع صحابته رضوان الله عليهم وأبلغهم من الأسرار ما لم يكتبوه , كما أنهم لم يرووا بعضه , وقد اعتبروا ذلك سر من الأسرار التي إما نسوها , أو رووها على خاصتهم وكتموه عن الغير , أو حدثوا به ودوِّن بكتب الحديث .

في صحيح مسلم (باب الفتن و أشراط الساعة ) عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم قال : (( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث بـه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه , قد علمه أصحابي هؤلاء , وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه )), وعن زيد بن أخطب قال (( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت صلاة الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر, فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأَعلَمُنَا أَحْفَظُنا )) كانت خطبة امتدت بين عشرة إلى اثني عشرة ساعة من المحاضرات الطويلة كلها زاخرة بالأسرار والغيبيات ورغم أن الكثير من هذه الغيبيات قد نسي بإرادة الله إلا أن كل حفظ شيئاً مما يخصه وقد أثبتت بكتب الحديث أو كتب التاريخ .

ومن أمثلة ما نرمي إليه فكما ورد في صحيح مسلم (( عن حذيفة قال , كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فقال أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة كما قال , قال :فقلت :أنا , قال عمر إنك لجريء , وكيف قال , قال , قلت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ….فقال عمر ليس هذا أريد , إنما أريد التي تموج كموج البحر . قال فقلت مالك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها باباً مغلقاً . قال عمر أفيكسر الباب أم يفتح , قال قلت : لا بل يكسر قال عمر ذلك أحرى ألا يغلق أبداً. قال فقلنا لحذيفة : هل كان عمر يعلم من الباب قال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة …قال ..فقلنا لمسروق سله {أي حذيفة : من الباب } فسأله فقال عمر )).

وبهذا فحذيفة هو أكبر علماء الأسرار والغيبيات مع أبو بكر وعمر وحبر هذه الأمة ابن عم رسول الله صلى الله عليه سلم عبدالله بن العباس إلى جانب صهر رسول الله ابن عمه علي بن أبي طالب كرم الله جهة ورضي الله عنهم أجمعون .

وقبل أن نتجه إلى ذكر الغيبيات التي كان يتداولها المختصون من قريش فيما بينهم لعلنا نناقش أمراً آخر من الغيبيات وهو الرؤيا المباشرة للحدث أو الشيء من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أو أهل الكرامات من الصحابة والأولياء الذين اختصهم الله بكرامته .

الرؤية البصرية المباشرة للأحداث :

أ) النبوة الرؤية الصادقة :

إن من الحقائق العلمية والدينية التي يمكن للمرء أن يطلع عليها ويؤمن بها خاصة بالنسبة لنا كمسلمين هو ما ثبت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة والتي أبداً لا تتناقض مع العلم الحديث الذي أثبته العلماء بنظرياتهم وبحوثهم , ويوجد بكتب السنة والتاريخ الإسلامي الكثير من الكنوز التي تتطابق مع ما وصل إليه العلم الحديث ما يؤكد صحة الرسالة التي بعث بها محمد صلى الله عليه سلم , ولعل ما نعنيه بالرؤية البصرية المباشرة للحدث سواء كانت رؤية مباشرة أو غير مباشرة , وهو أنه كان الكثيرون يرون الحدث يجري أمام أعينهم في منطقة لا يمكن للبشر في تلك العصور المتقدمة أن يعلموا بها أو يمكن لهم رؤيتها إذ لا أجهزة ولا إلكترونيات ولا أقمار صناعية , هذا فيما يتعلق بالأحداث التي كانت تجري مباشرة وقت رؤية المتحدث لها , ولكن هناك أحداث لم تحدث بعد وستحدث بالمستقبل ويمكن للمتحدث عنها الحديث عنها وهي في علم الغيب وكأنه يشاهد فيلماً سينمائياً دون أن يكون للسينما أو أجهزة هوليود وجود قبل أكثر من ألف وخمسمائة عام .

ففي كل رمضان كان الرسول الكريم محمد بن عبدالله قبل البعثة يتعبد الله منعزلاً معتكفاً للعبادة بعيداً عن الناس في غار حراء , وفي ليلة 23أو 25 أو 27 نزل الوحي على رسول الله مؤذنا ببدء رسالة الإسلام , فقد حبب الله للرسول الخلوة فإذا صار (( إلى شعاب مكة وبطون أوديتها , فلا يمر رسول الله بحجر ولا شجر , إلا قال السلام عليك يا رسول الله , فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله وعن يمينه وشماله وخلفه , فلا يرى الا الشجر والحجارة فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ,ما شاء الله أن يمكث , ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان )) (ابن هشام ص49) .

لقد كانت الملائكة ربما هي التي تناديه إعداداً له صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر العظيم , يقول الرسول صلى الله عــليه وسلـم (( فجاءني جبريل وأنا نائم , بنمط من ديباج فيه كتاب , فقال : اقرأ , فقلت ما اقرأ ؟ , قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت , ثم أرسلني , فقال : اقرأ و قلت ما اقرأ , فغتَّني به حتى ظننت أنه الموت , ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ماذا اقرأ ؟ فغتَّني به حتى ظننت أنه الموت , ثم أرسلني فقال اقرأ , قلت ماذا اقرأ ؟ فقال (( اقرأ باسم ربك الذي خلق *خلق الإنسان من علق ….))قال فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني …)) فهب الرسول صلى الله عليه وسلم وخرج من الغار (( فخرجت حتى إذا كنت في وسطٍ من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول يا محمد , أنت رسول الله وأنا جبريل ! فرفعت إلى السماء أنظر , فإذا جبريل في صورة رجل صافٍ قدميه في أفق السماء يقول , يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر , وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك . فمازلت واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي …)) (ابن هشام ص50 ) .

وهنا علينا أن نطرح أسئلة كمدخل للموضوع :

1) لماذا قام جبريل بخنق الرسول صلى الله عليه وسلم بنمط الديباج إلى درجة أنه لم يبق بينه وبين الموت إلا لحظة من الزمن ( والغَتَّ حين يقول غتَّني يعني خنقني )وتحديدا ثلاث مرات ؟ وهل كان ذلك ضرورياً ؟

2) لماذا كان الرسول ينظر إلى جبريل في آفاق السماء دون أن يراه أهل مكة ولزمن طويل قد يقدر بساعة أو ساعتين .؟

3) لماذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم , يسمع جبريل وهو يُعرِّف محمد بأنه أصبح رسول الله ويعرفه بنفسه بأنه جبريل ولم يسمع صوت جبريل المجلجل , أحد من البشر وخاصة أهل مكة القريبين من الحدث ؟

حدثني أحد العلماء الذين أثق بعلمهم أنه قد اكتشف علماء الطب في العصر الحديث أن المخيخ يتحكم بالبصر وعملية الأبصار , وأنه في حالة تقليل الأوكسجين في المخيخ نتيجة للتنفس البطيء المستمر وهو ما يفعله الآن علماء النفس في دأبهم لعلاج الكثير من أمراض العصر , وذلك من خلال كتم النفس في الشهيق والزفير لأطول مدة ممكنة , فإن هذه العملية تطلق عملية الإبصار إلى آفاق رحبة قد لا نستطيع تخيلها , ويتفق هذا التحليل الذي سمعته من أحد الأطباء العلماء الأجلاء , مع ما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخنق جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات حتى كان يشرف على الموت خنقاً أطلقت عملية الإبصار لدى محمد صلى الله عليه وسلم وأصبح قادرا على أن يرى الملائكة الذين هم من أجساد شفافة لا ترى بالنسبة لقدرات البشر العادية , ولذا حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من غار حراء خائفاً مما حدث له سمع صوت الملك جبريل ورآه بعينه المجردة , وكان ذلك غير ممكن بدون عملية الخنق لرسول الله بالصورة التي حدثت له فقل الأوكسجين على المخيخ لدى رسول الله فانطلق بإذن الله لديه القدرة على الإبصار إلى آفاق السماء والأرض ليرى الملائكة والجن ويحدثهم ويحدثونه , ولعلنا نتساءل إن لم يكن الأمر كذلك أليس جبريل قادراً على أن يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بهدوء ويبلغه الرسالة والآيات الأولى من القرآن التي نزلت عليه بغار حراء , ولكن لأن العملية تحتاج إلى تجربة حية وعملية علمية طبية قام جبريل بما قام به من من خنق الرسول بنمط الحرير (نمطٍ من ديباج ) ربما لأن الحرير أقوى من الكتان أوغيره في كتم الأوكسجين أبان إجراء العملية , إلى جانب أن ذلك إكراماً لوجه رسولنا الحبيب عليه الصلاة والسلام .

وبهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم انطلق لديه الإبصار في آفاق السماء والأرض وأصبح بقدرة الله ثم هذه العملية التي حدثت بغار حراء بصره لرؤية الأحداث المباشر رؤية مباشرة فهو يرى الأحداث من مسافات لا يمكن للبشر رؤيتها إلا من خلال أجهزة الأقمار الصناعية في عصرنا الحالي .ويجب أن ننتبه إلى أن هذه العملية مع أنها حتمية من أجل رؤية مثل هذه الأحداث والأماكن البعيدة إلا أن إرادة الله لمن يريده من كرامة لعبده دون بقية العباد والعبيد أمر أساسي , فقد قال الله بكتابه (( وقل إدعو فما دعاء الكافرين إلا في …)) وبهذا فمن كان الله غير راض عنه ربما حتى لو طبق هذا التمرين ألف مرة لن يكشف له الحجب عن بصره , ويقول الله سبحانه وتعالى (( فكشفنا عنك غطاؤك فبصرك اليوم حديد )) إن البصر البشري محجوب عليه رؤية البعيد والملائكة والجن والشياطين , كما لا يستطيع اختراق الجماد ليرى ما وراءه , ولكن وقت الغرغرة أو لحظة الموت فإن الله يكشف الله عن الإنسان غطاء أو حاجب البصر فيمكنه تلك اللحظة لمن يشاء الله أن يرى ملك الموت وهو من الملائكة ذو جسد شفاف لا يمكن للإنسان رؤيته قبل لحظة الغرغرة .

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها … الحديث )) فكانت عملية الأبصار لدى الرسول صلى الله عليه وسلم وبقدرة الله وتقديره يرى صورة الأرض وبقاعها وما بين السماء والأرض كما يشاهده عصرنا بالأقمار الصناعية بل وبشكل أشمل .

وهو ما حدث له صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج فقد جاء المسجد الأقصى ليلاً على البراق وهي الدابة التي يحمل عليها الأنبياء أبيض بين البغل والحمار , في فخذيه جناحان , وكان ليلاً فلم يتحقق ساعتها من المسجد الأقصى فكذبه الناس بينما طلب منه الصديق أبو بكر رضي الله عنه من الرسول أن يصف له المسجد (( يا نبي الله , أحدثت القوم أنك جئت بيت المقدس الليلة , قال نعم , قال : يا نبي الله صفه لي فإني قد جئته , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فرفع لي حتى نظرت إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر صدقت , أشهد أنك رسول الله حتى انتهى قال رسول الله وأنت يا أبو بكر الصديق)) ( ابن هشام ص 84) .

إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد أنعم عليه ليس فقط برؤية الحاضر كرؤيته عليه الصلاة والسلام للسجد الأقصى , بل كان يرى الأحداث حية تجري مثل فيلم حي يجري على الطبيعة , فقد ورد في صحيح مسلم , ((عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على أُطُمٍ من آطام المدينة ثم قال هل ترون ما أرى إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر )) .وهنا لو دققنا بكلمات الرسول فإنه كان يشاهد الأحداث حية ( هل ترون ما أرى ) كان يصف ما يراه في تلك اللحظة من أحداث متخلخلة عبر الزمن المستقبلي وهو يشاهد هذه الأحداث حية كما لو تشاهد فيلماً سينمائياً سريعاً.

الرؤية المباشرة للأحداث من قبل أعداء رسول الله :

ومن جانب آخر من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رؤية أعداء رسول الله عليه الصلاة والسلام للملائكة أو من في حكمهم ليمنعوا أعدائه صلى الله عليه وسلم من إيذائه والاعتداء عليه فقد عاهد أبو جهل في مجلس من مجالس قريش كان رسول الله قد غادرهم للتو بعد أن دعاهم للإسلام فقال أبو جهل (( يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا , وشتم آبائنا , وتسفيه أحلامنا , وشتم آلهتنا , وإني أعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر ما أطيق حمله , فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه , فأسلموني عند ذلك أو امنعوني , فليصنع بعد ذلك بنو عبدمناف ما بدا لهم !

قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبداً فامض لما تريد .

فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره , وغدا رسول الله كما يغدو وكان بمكة وقبلته إلى الشام , فكان إذا صلى صلى بين الركنين : الركن اليماني والأسود وجعل الكعبة بينه وبين الشام , فقام يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل , فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر , ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه مرعوباً , قد يبست يداه على حجره , حتى قذف الحجر من يده , وقامت إليه رجال قريش فقالوا له : مالك يا أبا الحكم ؟ قال قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة , فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل , لا والله ما رأيت مثل هامته , ولا مثل قَصَرته {أي عنقه } ولا أنيابه , لفحل قط , فهم بي أن يأكلني ! )).( تهذيب سيرة ابن هشام ص 64).

وهو الفحل الذي رآه أبو جهل مرة أخرى واستسلم لطلب الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلة وخنوع ذلك هو أمر الإراشي , حيث قدم رجل من إراش بإبل له في مكة فابتاعها أبو جهل منه , فمطله بأثمانها فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش , ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية من المسجد جالس فقال يا معشر قريش , من رجل يؤديني { أي يعينني } على أبي الحكم بن هشام , فإني رجل غريب , ابن سبيل , وقد غلبني حقي ؟ فقال له أهل ذلك المجلس : أترى ذلك الرجل الجالس – لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يهزءون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة – اذهب إليه فإنه يؤْديك عليه !

فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال ياعبدالله إن الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله , وأنا رجل غريب ابن سبيل , وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤْديني عليه , يأخذ لي حقي منه , فأشاروا لي إليك , فخذ لي حقي منه يرحمك الله ! قال رسول الله : إنطلق إليه , وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم : إتبعه فانظر ماذا يصنع ؟

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه , فقال :من هذا ؟ قال : محمد , فاخرج إلي , فخرج إليه وما في وجهه من رائحة { أي بقية روح } , قد انتقع لونه , فقال إعط هذا الرجل حقه ,قال نعم لا تبرح حتى أعطيه الذي له فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه .

ثم انصرف رسول الله وقال للإراشي : الحق بشأنك , فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال :جزاه الله خيراً فقد والله أخذ لي بحقي .وجاء الرجل الذي بعثوا به فقالوا ويحك ماذا رأيت ؟ قال : عجباً من العجب والله ماهو إلا أن ضرب عليه بابه , فخرج إليه وما معه روحه فقال له إعط هذا حقه ….فأعطاه إياه ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا له ويلك ! ما لك ؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط ! قال : ويحكم , والله ماهو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته فملئت رعباً ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل مارأيت مثل هامته , ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط ! والله لو أبيت لأكلني .))( تهذيب السيرة , ص 82).

حجب الرؤية والإبصار الطبيعي لأعداء رسول الله :

وكما يرى أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة المدافعين عن رسول الله والذين يقومون بحمايته فإن هؤلاء الأعداء قد يأخذ الله بصرهم فلا يبصرون رسول الله حين يريدون الكيد والأذى برسول الله , فحين نزلت سورة حمالة الحطب بأم جميل زوجة أبي لهب فقد (( أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ,ومعه أبو بكر الصديق ,وفي يدها فهرمن الحجارة {والفهر حجر بمقدار الكف } فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلا ترى إلا أبا بكر , فقالت : يا أبا بكر , أين صاحبك فقد بلغني أنه يهجوني ! والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ! ثم انصرفت , فقال أبو بكر : يا رسول الله . أما تراها رأتك ؟ فقال : ما رأتني , لقد أخذ الله ببصرها عني ))(تهذيب السيرة ص 76).

وهو ماحدث ليلة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم , فحين أمره جبريل ألا ينام في فراشه قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي , بن أبي طالب (( نم على فراشي وتسجَّ{ أي غط وجهك } ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه , فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم )) … واجتمع الشباب المكلفون بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أبو جهل بن هشام وهو يقول وهم علة بابه : إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوك العرب والعجم , ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن , وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح , ثم بعثتم من بعد موتكم , ثم جعلت لكم ناراً تحرقون فيها , وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده , ثم قال : أنا أقول ذلك , أنت أحدهم وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس ( يس * والقرآن الحكيم …فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) …ولم يبق رجل منهم إلا وقد وضع على رأسه تراباً , ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب . فأتاهم آـ ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون ها هنا ؟ قالوا محمداً , قال خيبكم الله !قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وضع على رأسه تراباً , وانطلق لحاجته , أفما ترون ما بكم , فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه التراب …)) ( تهذيب السيرة ص 102- 103) .

رؤية الصحابة والأولياء المباشرة للأحداث :

هذا ما يتعلق برسول الله وهو أعلى مقام خصه الله به من بين العباد والعبيد , ولكن أيضاً كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كذلك , وما أدرانا ما عمر ؟!!!!!! , لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب )) , وأخرج البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلَم قال (( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس مُحدّثون – أي ملهمون – , فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر )) .وأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إني لأنظر إلى شياطين الجن والأنس قد فروا من عمر )) . وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : (( لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة , لرجح علم عمر بعلمهم , ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم )) , وقال جابر بن عبدالله : دخل عليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه على عمر وهو مسجى { أي إثر وفاته وقبل دفنه } فقال رحمة الله عليك , ! ما من أحد أحب إلي أن ألقى الله بما في صحيفته بعد صحبة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسجى )) أخرجه الحاكم ( السيوطي , تاريخ الخلفاء ص117- 121) . وفي كتاب فتوح الشام للواقدي قال أن عبدالله بن قرط حين أرسله عمر إلى أبو عبيدة قبيل معركة اليرموك ذهب للسلام على الرسول وهو متوجه إلى اليرموك (( قال عبدالله فقصدت حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها جالسة عند قبره وعلى بن أبي طالب كرم الله وجهه والعباس جالسان عند القبر والحسين في حجر علي والحسن في حجر العباس رضي الله عنه وهم يتلون سورة الأنعام وعلي رضي الله عنه يتلو سورة هود فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال علي رضي الله عنه: يا ابن قرط عولت على المسير إلى الشام. فقلت :نعم يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أظن أن أصل إليهم إلا والجيش قد التقى والحرب دائرة وإذا أشرفت عليهم لا يرون معي مدادا ولا نجدة خشيت عليهم أن يهنوا ويجزعوا, وكنت أحب أن أصل إليهم قبل التقائهم بعدوهم حتى أعظهم وأصبرهم, فقال علي رضي الله عنه: فما منعك أن تسأل عمر بن الخطاب أن يدعو لك ؟ أما علمت يا أبن قرط أن دعاءه لا يرد ولا يحجب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه لو كان نبي ثان بعدي لكان عمر بن الخطاب, أليس هو الذي يوافق حكمه حكم الكتاب حتى قال المصطفى ( لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه إلا عمر بن الخطاب ) أما علمت أن الله تعالى انزل فيه آيات بينات, أما هو الزاهد التقى ؟! أما هو العابد أما هو المشبه بنوح النبي فان كان هو قد دعا لك فقد قرن دعاؤه بالاجابة .

هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإذا كان محمد رسول الله الذي زوى له الله الأرض فرأى منها ما يصل إليه الإسلام , ورفع له المسجد الأقصى وهو في مكة ليراه , فما قولنا بعمر رضوان الله عليه , فقد كان يخطب فوق المنبر بصلاة الجمعة , وفجأة تحولت عين عمر إلى معركة تجري ببلاد فارس , وكان سارية قائد المسلمين في معركة مع واحد من جيوش الفرس في منطقة نهاوند , وشاهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مجرى المعركة وهو يخطب فوق منبر المسجد النبوي بالمدينة المنورة , وهي على مسافة لا تقل عن ألفي كيلومتر , فإذا بالمسلمين منهزمين من المعركة , وأن لجوء سارية قائد الجيش الإسلامي إلى الجبل المجاور سيعكس نتيجة المعركة , فلم يتمالك عمر نفسه وهو يخطب فصاح بأعلى صوته(( فجعل ينادي , يا سارية الجبل ثلاثاً , )) فالتفت الناس بعضهم لبعض , فقال لهم علي رضي الله عنه ليخرجن مما قال , فلما فرغ من صلاته سألوه فقال : وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وإنهم يمرون بجبل , فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد وإن جاوزوا هلكوا فخرج مني ما تزعمون أنكم سمعتموه , قال فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم , قال فعدلنا إلى الجبل فنصرنا الله عليهم , ودخل على عمر بعد تلك الصلاة مباشرة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان عمر يطمئن إليه فقال : لشد ما ألومهم عليك , إنك لتجعل لهم على نفسك مقالاً , بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل , أي شيء هذا ؟ قال : إني والله ما ملكت ذلك , رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم , فلم أملك أن قلت : يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل )) , قال الذين طعنوا عليه : دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له .

وجاء عمر رجل فقال له ما اسمك قال جمرة ….فقال عمر (( أدرك أهلك فقد احترقوا , قال فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا )) . إنها كرامات الأولياء ومن مثل عمر , ولكننا هنا نريد أن نصل إلى أن هذه الكرامات لها قوانين إلهية علمية , وأن الله يختص بها من يشاء من عباده وأوليائه وفق تلك القوانين , ولأن عمر هو أعلم الناس بعد رسول الله وكما يقول عبدالله بن مسعود أن صحابة رسول الله كانوا يرون أنه أخذ أو ذهب بتسعة أعشار العلم , ولذا فإن القدرة على الإبصار عبر الآفاق هي في حقيقتها إعجاز ولكنه إعجاز وفق قانون علمي , أخذه عمر عن رسول الله أو ألهمه الله لعمر لا فرق , لكن المهم أن هناك من استطاع أن يرى الأحداث على بعد ألفي ميل قبل اختراع الأقمار الصناعية .

وقد كان عمر رضي الله عنه يعرف بما يتحدث به الرجل عليه صدقاً أم كذباً , فأخرج ابن عساكر (( أن الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول عمر أحبس هذه , ثم يحدثه بالحديث فيقول أحبس هذه فيقول الرجل : كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه )) .

لم يكن ذلك نوع من التكهن , كما لم يكن نوع من النبوة , وإنما هو كرامة إلهية وعلم اختص به الله من يشاء من عباده .

ولعلنا ننتقل إلى موضوع آخر هو بين الشياطين والجن , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقبه ويرصده ويدرسه .

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة