وزارة البنية التحتية بالسعودية :


وزارة البنية التحتية بالسعودية :
راتناو أن (( العمليات الحربية تمر بثورتها الصناعية وأصبحت مسألة تمويل ونقل وإمداد على نطاق ضخم ، وبالتالي فإنها تتطلب مركزيةوزارة البنية التحتية بالسعودية :

كتب د.صالح السعدون
من المهم في المرحلة القادمة بالسعودية أن تشكل لدينا وزارة للبنية التحتية , ونحن لانقصد أنها تكون للبنية التحتية من طرق ومواصلات وسكك حديد وتلفون وكهرباء ؛ بل تتصدى لكل الأمور الصغيرة التي قد يحتاج اليها الوطن في حالة خوضه لحرب على جبهة واحدة أو جبهتين أو ثلاث في المستقبل القريب , نحن نحتاج إلى سكك حديدية تنقل رجال الأمن والحرس الوطني بمعداتهم فضلا عن الجيش ومدرعاته وبالسرعة الممكنة إلى أي موقع بالوطن قد يحتاج إليه , وسنحتاج إلى ايجاد كل احتياجات الوطن من الماء والبنزين للأرز والقمح والبسكويت والخبز , نحتاج إلى أن تكون هذه الوزارة مسئولة عن كل شيء يتعلق باحتياجات الأمن كدولة أو كأفراد أمن عسكري وغذائي وبدني وعائلي ولنأخذ تجربة الدول الكبرى في الحرب العالمية الأولى حيث قررت الصهيونية العالمية اسقاط الدول من خلال الحرب العالمية الأولى , فسقطت أول ما سقط امبراطورية روسيا حيث لم يعد الخبز متوفرا للشعب فقامت المظاهرات وتوقف البريد واستقال القيصر : لنقرأ التجربة الألمانية في الحرب العالمية الاولى وهي جزء مستل من بحث رسالتي للدكتوراه :
وكان اليهود يسيطرون على تجارة الحبوب في سهول روسيا (1) ، وقد كانت أهمية اكتفاء الدولة بالغذاء قد برز كضرورة استراتيجية من ضرورات الحرب ، فقد تنبأ كاتب بولندي في القرن التاسع عشر Jean de Bloch متصوراً حروب المستقبل كـ(( عملية واقفة صامدة من عمليات التقتيل الوحشي الدموي ستكون الغلبة فيها للشعب الذي يستطيع أن يمد نفسه بالطعام مدة أطول )) (2) .ولذلك فإن السيطرة على تجارة المواد الغذائية كانت مهمة لأن يسيطر عليها اليهود .
وحيث كان اليهود والصهيونية راضون إلى حد ما عن الحكومة الألمانية منتظرين دعمها لهم ، وكانت اهتمامات ألمانيا بيهود روسيا وشرق أوروبا تنبئ عن ذلك ، لذلك فقد قام يهودي ألماني هو ولتر راتناو ( Welter Retnau )بتنظيم موارد البلاد الاقتصادية طبق خطة محكمة التنظيم ((ووضعت بدائل لألوان شعبيـة عديدة من الأغذية ومواد خام ضرورية كثيرة))وقد قام بتنظيم قوي لكافة موارد الصناعة والعمال من أجل التغلب على المشكلات الناجمة عن الحرب والحصار (3) .
وفي الوقت الذي بيّن راتناو أن (( العمليات الحربية تمر بثورتها الصناعية وأصبحت مسألة تمويل ونقل وإمداد على نطاق ضخم ، وبالتالي فإنها تتطلب مركزية في توزيع المخصصات وفي التخطيط والرقابة على الاقتصاد بكامله )) (4) وقد نجحت ألمانيا في مسألة التمويل والنقل والإمداد وفق رقابة على الاقتصاد بكامله ، بينما كانت روسيا تعيش فوضى مخططة ، وكما يقول كيندي عن موقف ألمانيا أثناء الحرب :أما عن ألمانيا ((فما أعجب بلاؤها في الحرب … يعزى جزء من هذا إلى الامتيازات الموضحة آنفاً خطوط مواصلات جيدة ، … وقاعدة صناعية واسعة لتلبية متطلبات حرب شاملة وقفز إنتاجها من الذخائر تحت إشراف دقيق من القيادة العليا والتجار البيروقراطيين الأذكيـاء أمثال والـتر راتينـاو )) (5).وكانت روســيا الأقل قـدرة بين دول الحلـفـاء على مواجـهة تحديات الحـرب العسـكرية والاقتصـادية والاجتمـاعية (( بسبب ضعفـها في عناصـر البنية التحتية ، من أنظمة النقل وأنظمة الاتصالات و الصناعات الهندسية وأسواق رأس المال )) إلى جانب فقدانها الكفاءة في عنصر القيادة ، ورغم أنها تنتج أكثر من حاجتها من المواد الغذائية ، فقد كان النقص (( نتيجة للخلل في النقل والتوزيع ، وهذا الخلل عائد في جانب منه إلى الاختناقات والانهيارات ، ولكنه أيضاً عائد إلى مناورات متعمدة ، المضاربات والاستغلال لجني الأرباح وتخزين السلع )) في ظل عجز كامل للقيادة الروسية وتقصير كبير وإغفال منها لمدى الحاجة للضرب بقوة على أيدي المستغلين في ظل ظروف الحرب . مما ساهم في زيادة الأسعار خلال سنوات الحرب ، (6) وتفاقم الأزمة الاجتماعية .
ولذلك فرغم وفرة الطعام وزيادة المخزون عن الحاجة إلا أن التجار اليهود والرأسماليين الأجانب الذين يسيطرون على تجارة الحبوب والغذاء والذين ينسب لهم الدور الهام في الحركة الثورية الروسية تمكنوا من تخزينه وإخفائه من السوق، فاضطرت الحكومة إلى العمل بنظام تقنين الطعام ، فانتشرت الإضرابات والفوضى ، وهكذا تمكن التجار اليهود من خنق روسيا ، فمن ناحية ارتفعت الأسعار إلى درجة ربوية أدت إلى زيادة مكاسبهم ،ومن ناحية أخرى أثاروا نقمة المجتمع على الدولة استعداداً للانقضاض عليها(( فازداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً)) (7).
كان الانهيار الروسي أسرع من انهيار دول الحلفاء الأخرى بسبب (( عزلتها الاستراتيجية )) إثر إغلاق المضائق فعجزت الحكومة الروسية عن (( تأمين العون العسكري والاقتصادي الضروري من حلفائها لمواصلة دوران ماكينتها العسكرية )) ونفذت مخازن ذخيرتها، ولم يتمكن صناعيو موسكو من تغطية حاجات الجيش ، إلى جانب أن ارتفاع الأسعار الهائل في إنتاج الأسلحة الروسية وكذلك الإنتاج الصناعي والزراعي قد أضر كثيراً بمنظومة المواصلات الضعيفة التي ما كانت قادرة على مواكبة زخم نقل الجنود ، وأعلاف الخيول ، ولذا تراكمت مخازن العتاد على بعد أميال عن الجبهة ,وتعذر نقل المواد الغذائية للمناطق المحتاجة لاسيما في المدن (8) . وقد اختفت من المدن حتى الأخشاب والأحذية على سبيل المثال,الى جانب الخبز وتشكلت لجان لغوث الفقراء واللاجئين, وأقرت وزارة الداخلية بأن سكان العاصمة والمدن الكبرى يعانون من الجوع, بيد أن الحكومة لم تكن قادرة على مواجهة الموقف الخطير في وقت كانت تدير به آلة الحرب.

(1). دزموند ستيوارت ، المرجع السابق ، ص213 ، نهاد الغادري ، المرجع السابق ص 25
(2).فيشر ، المرجع السابق ، ص491 -492
(3) .المرجع نفسه ، ص525 ؛ Anthony Wood, Eutope 1815-1960,second edition, 1984, p.321-322
(4). دافيد فرومكين ، المرجع السابق ، ص 270
(5)بول كيندي ، المرجع السابق ، ص 408
(6).دافيد فرومكين ، المرجع السابق ، ص271
(7).لطف الله سليمان ، المرجع السابق،ص27 ؛
Poul Dukes,A History of Europe1648-1948,first published,1985,p.369
(8).بول كيندي ، المرجع السابق ، ص40

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة