رحلة أبو الطيب المتنبي من مصر إلى العراق عبر منطقة الجوف :


رحلة أبو الطيب المتنبي من مصر إلى العراق عبر منطقة الجوف :

وأخبرهم أنه رأى سرب الخيل عابرة من علم قريب منهم (خيل رجال كافور) وأشار إليه، ولذلك فقد عقد العزم على تغيير وجهته ، وقرر التوجه شرقًا على خط عرض 30 5 شمالاً تقريبًا ، ومال يمينًا طالبًا من فليتة بن محمد أن يخرق بهم إلى دومة الجندل (الجوف) ، وأسرع إلى الكِفاف.
رحلة أبو الطيب المتنبي من مصر إلى العراق عبر منطقة الجوف :

منقول بتصرف عن المكتبة الإسلامية الشاملة :

مكث أبو الطيب المتنبي في مصر يمدح كافور راجياً أن ينال منه ولاية يستحقها , وكان كافور يخشى أن يفعل ذلك فيسحب البساط من تحت رجليه , وحين يئس المتنبي من أن كافور سيعطيه ما يتمنى طلب أن يقضي له حاجة بفلسطين فأبى وقال نرسل من يقضي لك حاجتك , ورأى المتنبي أنه أصبح كمن يقيم إقامة جبرية , لذا قرر الهرب من مصر مستغلاً توقيت توزيع كافور لمرتبات الجند , فرتب قافلته للهرب وعبيده وسلاحه , وشحن الجمال بالماء من ماء النيل بقرب تكفي لرحلة تزيد عن عشرين ليلة , وقرر أن يسرع الخطا بحيث يتمكن من قطع مسافة كل ثلاث ليال بليلتين , كما وضع في خططه أن يتجنب طريق الحجاز وطريق فلسطين لكي لايتمكن رجال كافور من اللحاق به . ولذا فقد حاذى طريق الحج المصري محاذاة , وتجنب كل ما يمكن أن يوصل إليه عدوه , ثم قال قصيدته المشهورة :
عيد على أي حال عدت ياعيد
أمر مضى أم لأمر فيك تجديد
لاتشتري العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لآنجاس مناكيد
وفر من مصر حيث وصل إلى شمال جزيرة العرب , ومنها كان يريد إلى طريق العراق , ولأن صحراء الشام غير ممكنه في ذلك الزمن فقد وصل إلى تيماء ومنها اتجه إلى الجوف ومنها إلى العراق ولعلنا نتتبع رحلته ونأخذ مواقع ومياه ومدن وقرى منطقة الجوف حتى يصل إلى العراق . وسنبدأ مع بداية رحلته حب القصيدة التي قالها حين وصل إلى العراق والتي تعتبر بحق تأريخاً لتلك الفترة للمدن والقرى القائمة على تلك الطريق :
ألا كل ماشية الخيزلى *** فدا كل ماشية الهيدبى
وكل نجاة بجاوية *** خنوف وما بي حسن المشى
ولكنهن حبال الحياة *** وكيد العداة وميط الأذى
ضربت بها التيه ضرب القما *** ر إما لهذا وإما لذا
إذا فزعت قدمتها الجياد ** وبيض السيوف وسمر القنا
فمرت بنخل وفي ركبها *** عن العالمين وعنه غنى
وأمست تخيرنا بالنقا ** ب وادي المياه ووادي القرى
وقلنا لها أين أرض العراق ** فقالت ونحن بتربان ها
وهبت بحسمى هبوب الدبو ** ر مستقبلات مهب الصبا

( ويرى كاتب في المكتبة الإسلامية الشاملة ) أن أغلب الظن أن المتنبي سلك طريقًا يوازي طريق القاهرة السويس الصحراوي إلى الشمال قليلاً من خط عرض 30 درجة شمالاً ، وهذا الخط الذي يبدو أن جل المواقع التي سلكها تقع عليه أو إزاءه يميناً أو يسارًا بمسافات قصيرة إلى أن دخل الجوف ( في شمال المملكة العربية السعودية اليوم ) . إذ أخذ يتجه منها صوب الكوفة التي تقع على خط العرض 32 درجة شمالاً .
ولعل خوفه من ملاحقة جند كافور وولاته في الرملة في فلسطين وغزة جعله يتجه إلى الصحراء في مغامرة محفوفة بالمخاطر , وربما كان الطريق الذي سلكه المتنبي هو ما عرف في تاريخ سيناء باسم درب الشعوى الذي يبدأ قريبا من رأس خليج السويس ، ويسير إلى الجنوب أكثر من درب الحج إلى أن ينتهي عند العقبة , ويعتقد أنه توجه للكنتيلا بعد نخل مباشرة ، ولم يتجه إلى الثمد والعقبة ، والشعوى هي الشعواء مقصورة أو العشواء مقصورة مقلوبة لوعورتها ومخاطرها .
وهذا الطريق كان مستخدمًا قبل درب الحج – على الأرجح – وقد سلكته جيوش صلاح الدين أثناء الحروب الصليبية ، عندما توجه لضرب حاميتي الكرك والشوبك ، وأبرز منازل هذا الطريق :شط السويس ، ثم ممر متلا ، فوادي الراحة ، إلى أرض التيه شمال عين صدر ( حيث تقوم قلعة صلاح الدين ) وفي هضبة التيه يسير الدرب شرقًا قاطعًا أعالي فروع البروك أولاً ثم يقطع وادي العريش نفسه شمال بئر أم سعيد بقليل ، ومنه إلى روافد وادي العريش الشرقية ، أي طريفية ووادي الرواق ، فالفيحي فوادي القريص ( حيث تقع بئر القريص) حتى يصل إل الثمد ( كل ذلك في شبه جزيرة سيناء ) .
ويعتقد أن المتنبي تقدم من وادي النثيلة إلى نخل ، فجبل أم علي ووادي العقبة ، فوادي المهشم . ولاشك في أن رحلة أبي الطيب كانت مقامرة على نحو ما يجسده قوله في إبله ( ديوانه 552 )
ضربت بها التيه ضرب القما
… ر إما لهذا وإما لذا
أي لنجاحٍ أو هلاك وهو ما يعني أنه قام بمغامرة أو مقامرة كبرى قد تنجح وقد يهلك فيها ، فكأنه امرؤ القيس إذ قال لصاحبه وقد بكى لما رأى الدرب دونه :
فقلت له : لا تبك عينك إنما
… نحاول ملكًا أو نموت فنغدرا
ثم وصل إلى حسمة بمنطقة تبوك , وتقع حسمى بين جبال مدين من الغرب وتبوك من الشرق وحرة الرهاه من الجنوب وتمتد شمالا الى وادي .وذكر ياقوت الحموي :(( حسمى بالكسر ثم السكون مقصور يجوز أن يكون أصله من الحسم وهو المنع وهو: أرض ببادية الشام بينها وبين وادي القُرَى ليلتان واهل تبوك يرون جبلَ حِسمى في غربيهم وفي شرقيهم شَرَورى وبين وادي القرى والمدينة ست ليال)).
وتحصر بعض الأطالس موقع حسمى بشمال المملكة العربية السعودية ، و يقول كاتب هذا البحث في المكتبة الإسلامية الشاملة (( ولكن الصحيح هو أن حسمى تمتد شمالا إلى بطن الغول ومعان )) ، وحسمى هي التي أرادها ابن بطوطة بقوله : ثم ارتحلنا إلى معان .. ونزلنا من عقبة الصوان إلى الصحراء التي يقال إن داخلها مفقود وخارجها مولود ” . وتمتد غربا إلى سلسلة الجبال الواقعة شرقي سيناء إلى حدود صحراء التيه ، وتمتد شرقا إلى بُسَيطة في منطقة الجوف والشُّبَيْكَة وأرض الصوان إلى الجنوب الغربي من وادي السرحان ، وإلى الجوش والعلم اللذين مر بهما المتنبي بين بسيطة والجوف . أما جنوبًا فإلى تبوك متصلة بجبال الشفا وجبال الحجاز ، وهذا التحديد لحِسمى يوافق مذهب ابن السكيت السابق ذكره .
وقول الراجز : بلدا هرماسا ، أي واسعًا، وما ندري إن كان لقوله ” هرماسا ” علاقة ببئر ابن هرماس الواقع فيها على طريق الحاج الذي يصل السعودية بالأردن مارا بالحزم فبئر ابن هرماس فذات الحج فحالة عمار فالمدورة داخل الحدود الأردنية .
ومن حسمى إلى حرة نهيا , بهل , وهي تقع إلى الشمال من حسمى

وفاجأ المتنبي عبيده بالرحلة خاصة أنهم ينتمون إلى جنس كافور، و لأنه لم يعد يثق في كثير منهم ، ويبدو أنه علم أن خيل كافور تلاحقه ، وكان يوهمهم أنه سيعبر طريق البياض ، وبالفعل فقد سار فيها مسافة ثم عدل .
البَياض
جاء في خبر أبي الطيب ” فأخذ طريق البياض ، فلما صار برأس الصوان أنفذ فليتة بن محمد إلى عرب بين يديه وتوقف ” .
قلت : هناك في الجنوب الشرقي من الأردن منطقة تعرف بأرض الصوان ، وتمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ما بين باير وجبل الأثريات والحدود السعودية الممتدة بمحاذاة وادي السرحان من الشمال إلى الجنوب .
ووادي باير أو شعيب باير هو ذو فرعين الفرع الأول يجري من شرقي القريات الحالية بحوالي عشرة كيلومترات ووادي باير الغربي يجري من غرب المدينة بحوالي خمسة عشر كيلو متر , ويصب الوادي بفرعيه من الأراضي الأردنية ويسيح قرب مدينة إثره وكاف بالقريات والتي يبدو أن المتنبي قد مر بها .
وهناك عقبة الصوان إلى الجنوب الغربي من معان ، ولعل المقصود بها النقب ، نقب أشتار حيث الموقع المعروف برأس النقب ، وهي تفضي إلى درب الحج الشامي ، وتليها جنوبًا حسمى ، وبسيطة إلى الجنوب الشرقي ، وكذلك الشبيكة إلى الجنوب من أرض الصوان ،.
وجاء في بلدان ياقوت : أودات كلب ( قبيلة كلب ) : هي أودية تنسل من الملحاء [ والملحاء هي قريات الملح أو قرايا الملح كإثرة وكاف ومنوة وغيرها أي تتصل بوادي السرحان ] ، وهي رابية مستطيلة ما شرَّق منها الأودات، وما غرَّب فهو البياض “. قال الشيخ حمد الجاسر ( شمال المملكة 1/236): وهذا البياض الذي يقع غرب الملحاء صحراء واسعة تنعدم فيها الجبال، ولكنها تحاط بالآكام من كل جهاتها ، وتمتد من الجنوب من المرتفعات الواقعة شمال واحة الجوف حتى ملتقى الحدود الشمالية (السعودية) بحدود الأردن، ويحف بها من الشرق الأرض المرتفعة التي كانت قديمًا تعرف بالملحاء، ومن الغرب حرة الرحا التي تمتد منها آكام ومرتفعات حتى واحة الجوف . ويحتمل أن تكون هذه المنطقة هي ما يعرف ببياض قرقرة الذي حدد الهمداني (ص272) موقعه بأنه يقع بين تيماء وحوران.
نعود إلى خط سير المتنبي حسب قصيدته :
روامي الكفاف وكبد الوهاد * وجار البويرة وادي الغضى
وجابت بسيطة جوب الردا * ء بين النعام وبين المها
إلى عقدة الجوف حتى شفت *بماء الجراوي بعض الصدى
ولاح لها صور والصباح **ولاح الشغور لها والضحى
ومسى الجميعي دئداؤها * وغادى الأضارع ثم الدنا
فيا لك ليلاً على أعكش ** أحم البلاد خفي الصوى
وردنا الرهيمة في جوزه * وباقيه أكثر مما مضى
فلما أنخنا ركزنا الرما * ح فوق مكارمنا والعلا
وبتنا نقبل أسيافنا * ونمسحها من دماء العدا
لتعلم مصر ومن بالعراق *ومن بالعواصم أني الفتى
وأني وفيت وأني أبيت * وأني عتوت على من عتا
وما كل من قال قولا وفى*ولا كل من سيم خسفا أبى
ولا بد للقلب من آلة *ورأي يصدع صم الصفا
ومن يك قلب كقلبي له *يشق إلى العز قلب التوى
وكل طريق أتاه الفتى *على قدر الرجل فيه الخطا
ونام الخويدم عن ليلنا *وقد نام قبل عمى لا كرى
وكان على قربنا بيننا *مهامه من جهله والعمى
لقد كنت أحسب قبل الخصي *أن الرؤوس مقر النهى
فلما نظرت إلى عقله * رأيت النهى كلها في الخصى
وماذا بمصر من المضحكات * ولكنه ضحك كالبكا
بها نبطي من اهل السواد * يدرس أنساب أهل العلا
وأسود مشفره نصفه *يقال له أنت بدر الدجى
وشعر مدحت به الكركدن * بين القريض وبين الرقى
فما كان ذلك مدحا له * ولكنه كان هجو الورى
وقد ضل قوم بأصنامهم * فأما بزق رياح فلا
وتلك صموت وذا ناطق * إذا حركوه فسا أو هذى
ومن جهلت نفسه قدره *رأى غيره منه ما لا يرى

ولم يمعن المتنبي قدمًا في طريق البياض التي يبدو أنها تقود إلى شمال وادي السرحان والأزرق ، لأنه خشي أن تكون عيون كافور قد رصدت عليه الطريق ، فقد جاء في خبره وقد صار برأس الصوان (عزام 140 ): أن بعض عبيده قد انقلبوا عليه ، وأمر بضرب أحدهم ، فأدماه ، وكان أشد من معه وأفرسهم ، فولى متمردًا ، ولما أصبح أتبعه المتنبي عليا الخفاجي وعلوان المازني، ووافق ذلك اليوم عودة فليته ، وأخبرهم أنه رأى سرب الخيل عابرة من علم قريب منهم (خيل رجال كافور) وأشار إليه، ولذلك فقد عقد العزم على تغيير وجهته ، وقرر التوجه شرقًا على خط عرض 30 5 شمالاً تقريبًا ، ومال يمينًا طالبًا من فليتة بن محمد أن يخرق بهم إلى دومة الجندل (الجوف) ، وأسرع إلى الكِفاف.
الكِفاف وكَبْد الوِهاد
قال ياقوت: موضع قرب وادي القرى، وذكر قول المتنبي (ديوانه 553) :
روامي الكفاف وكبد الوهاد
… وجار البويرة وادي الغضا
قلت: يريد أن إبله وخيله عبرت تلك الأماكن في طريقها إلى الجوف ، ولكن قول ياقوت إن الكفاف قرب وادي القرى مستبعد ، والذي نراه أنه على مقربة من “كبد” الذي يقع إلى الجنوب الشرقي من الشبيكة قريبا من بسيطة التي تمتد عبر الحدود السعودية الأردنية . وما يزال هذا الموقع يعرف باسمه (الكبد) ولعله هو المقصود بكبد الوهاد ، سقط المضاف إليه وأقيم المضاف مقام المركب، وهذا باب تتسع له العربية ، والوهاد جمع وهدة، وهي الغائط الغائر قليلا من الأرض ، والطبيعة الجغرافية لتلك المنطقة تؤيد ذلك .
وقد ذكر ياقوت كبد الوهاد وقال : موضع في سماوة كلب . ولا نراه ، لبعد ما بين السماوة وهذه المرحلة من مراحل طريق المتنبي . ونعتقد أن أبا الطيب تابع مسيره شرقًا في بسيطة ، إلى البُوَيْرَة .
البُوَيْرَة
وهي تصغير البئر ، ولعل طريقه كان في شمال بسيطة ، قريبًا من أرض الصوان ومنطقة وادي العناب على الحدود السعودية الأردنية، وجدير بالذكر أن آبارًا كثيرة تنتشر في المنطقة وإلى الشمال منها . قال ياقوت : والبويرة موقع قرب وادي القرى ، بينه وبين البسيطة. وذكر بيت المتنبي السابق .
قلت:بل هو في بسيطة نفسها،بل في شمالها وفي واد منها يعرف باسم وادي الغضا .
وادي الغضا
وهو جار البويرة في قول المتنبي، ولم يذكره ياقوت ، والغضا شجر الرمل كالأراك ، وقد أضيف الوادي إلى ما ينبت فيه من الشجر ، وهو كثير في تلك المنطقة وإلى الشمال والشرق منها ، جاء في الرحلة التنوخية (ص46)، ” ويطبخ الأمير قهوته على نار الغضا التي تضارع بحرارتها ومدة دوامها فحم السنديان في ديارنا وتفوقه بعدم دخانها ورائحتها ” يريد أمير دومة الجندل ( الجوف ) .

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

3 تعليق على “رحلة أبو الطيب المتنبي من مصر إلى العراق عبر منطقة الجوف :”

  1. ناصرالصقري

    بارك الله فيك اسـتاذي الفاضل على هذة المعلومات الرائعة والمفيدة

    كل الشكر والتقدير

  2. د.صالح السعدون

    الكاتب :ناصرالصقري
    بارك الله فيك اسـتاذي الفاضل على هذة المعلومات الرائعة والمفيدة

    كل الشكر والتقدير

    حياك الله أستاذ ناصر
    في الحلقة الثانية سيتحدث المتنبي عن دومة الجندل /الجوف ثم مروره مع الحدود الشمالية نحو العراق , كن معنا بارك الله فيك
    د.صالح[/color]

  3. الكاتب :د.صالح السعدون
    الكاتب :ناصرالصقري
    بارك الله فيك اسـتاذي الفاضل على هذة المعلومات الرائعة والمفيدة

    كل الشكر والتقدير

    حياك الله أستاذ ناصر
    في الحلقة الثانية سيتحدث المتنبي عن دومة الجندل /الجوف ثم مروره مع الحدود الشمالية نحو العراق , كن معنا بارك الله فيك
    د.صالح[/color]

    أناشاء الله تعالى نكون متواجداين معاك أستاذي الكريم

    شكراً وبارك الله فيك ولك مني أجمل تحية

التعليقات مغلقة