العلاقات السعودية الكويتية 1/3

العلاقات السعودية الكويتية
في عهد الدولة السعودية الأولى
بين عامي 1208هـ- 1224هـ
المقدمة :
يكاد يجمع المؤرخين المعاصرين على أن الكويت لم تخضع للدولة السعودية الأولى , وأن الدرعية أو " الوهابيون " قد " فشلوا " في محاولتهم ضم الكويت التي استطاعت " أن تحافظ على استقلالها " أو كما يقول أبو حاكمة " و لقد استمر نجم الكويت … في صعود وأنهم قد استمروا مستقلين دون أن يخضعوا للوهابيين …)) ..


العلاقات السعودية الكويتية
في عهد الدولة السعودية الأولى
بين عامي 1208هـ- 1224هـ
بحث مقدم للتجكيم –
د.صالح بن محمود السعدون
رئيس قسم الدراسات الاجتماعية
بكلية التربية والآداب
جامعة الحدود الشمالية

المقدمة :
يكاد يجمع المؤرخين المعاصرين على أن الكويت لم تخضع للدولة السعودية الأولى , وأن الدرعية أو ” الوهابيون ” قد ” فشلوا ” في محاولتهم ضم الكويت التي استطاعت ” أن تحافظ على استقلالها ” أو كما يقول أبو حاكمة ” و لقد استمر نجم الكويت … في صعود وأنهم قد استمروا مستقلين دون أن يخضعوا للوهابيين …)) وأن انشغال الدرعية بالبحرين (( حال دون نجاح الخطط الوهابية في الإستيلاء على الكويت )) (1) ؛ وأن الحملات السعودية على الكويت إثر ضم الدرعية للأحساء لم توفق بضم تلك المشيخة التي كانت خاضعة للبصرة وباشا بغداد ؛ ويعطون أحكاماً قاطعة في هذا الأمر إلى الدرجة أن يكاد تخلو الكتب التاريخية للكويت من الاعتراف بأن الكويت قد خضعت للدرعية وكأنها من المحرمات التي يجب على أولئك المؤرخين عدم الاقتراب منها .
ونحن هنا سنبحث في تاريخ العلاقات السعودية الكويتية وسنناقش فرضية ما إذا كانت الدولة السعودية قد أخضعت الكويت لفترة زمنية محددة أو غير محددة ؟ , وإذا ما أصبحت قوى الكويت الحربية طوع بنان الدرعية ؟ , و سنبحث فيما إذا خدمت البحرية الكويتية المجهود الحربي للجيش السعودي ؟ ,وهل دفعت الكويت الزكاة للدرعية أسوة بالأقاليم الخاضعة لهذه الدولة الكبرى التي عمت بلاد جزيرة العرب وأجزاء من العراق والشام ؟ .
وقد اعتمد الباحث على مجموعة من المصادر والمراجع وقليل من الوثائق التي يمكن بناء حكم تاريخي عليها ؛ بحيث يكون حكماً قاطعاً لا شك فيه . وقدر المستطاع لجأ الباحث للمقارنة بين الروايات التي تبين الحقائق التاريخية من الإدعاءات المغلوطة التي تغذيها مواقف سياسية بحتة و بحيادية و موضوعية تامة ما استطاع الباحث إلى ذلك سبيلاً .
وقسم البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة , وقد تناول الباحث في الفصل الأول كيفية و أسباب زيادة أهمية الكويت على المستوى الإقليمي , والعلاقات البريطانية الكويتية الجديدة مع الدولة السعودية الأولى , بينما تناول الفصل الثاني العلاقات السعودية مع الكويت منذ أن سيطرت الدرعية على الأحساء ؛ بحيث كانت الكويت مجرد امتداد للعراق تخدم المجهود الحربي العراقي ضد الأراضي السعودية بتقديمها لكل خدمات النقل البحري والبري (اللوجستي ) الكويتي للجيش العراقي لتسهيل مهماته العسكرية ضد الدرعية .
أما الفصل الثالث فتناول البحث خطة الدولة السعودية لضم الخليج العربي ومن ضمنها الكويت ؛ إلى جانب خضوع الكويت للدولة السعودية وخطة الدرعية لإخضاع تلك المشيخة . وأخيراً في الخاتمة أجملنا نتائج هذا المبحث والتي توصل إليها الباحث .
ولعل أكبر الصعوبات التي واجهت الباحث هي قلة الوثائق والكتب التي تحدثت عن هذا الموضوع بدقة وحيادية ؛ إلى جانب أن كثيراً من المؤلفات التاريخية القديمة والحديثة دأبوا على تكرار رأي متشابه حول الموضوع دون تمحيص أو تدقيق ؛ فالذي يرى عدم خضوع الكويت لا يأتي بدليل مقنع لتأييد رأيه سوى بتفسيرات مبتسرة لا تستقرئ الواقع التاريخي (2), ومن يرى خضوعها للدرعية يقرر ذلك دون بيان وأدلة قاطعة ؛ أضف إلى كل هذا فإن مصادرة إبراهيم باشا بعد دخوله الدرعية للكثير من الكتب الدينية – ربما بحجة دراستها – إلى جانب كل الوثائق والمراسلات والمعاهدات والتي تبادلتها أو وقعتها الدولة السعودية مع الدول والقوى الإقليمية والأجنبية قد ساهم في نقص واضح في تلك الوثائق التي تجلي الحقيقة وتسهل عمل الباحث ؛ فقد أشارت الوثائق العثمانية إلى أن إبراهيم باشا قد صادر وأحضر معه من الدرعية إلى المدينة المنورة ما مجموعه (591) مجلداً منها 530 كتاباً علمياً هذا عدا الأشياء التي لم يُعلن عن مصادرتها وهو ما يؤكده سادلير أيضاً , ولعل إبراهيم باشا قد صادرها لدراستها من قبل جهات ذات علاقة بالغزو الأجنبي الذي تعرضت له البلاد السعودية ؛ وكانت مصاحبة لجيش إبراهيم باشا من الأوروبيين على غرار ما كان مصاحباً لجيش نابليون الغازي للقاهرة من بعثات علمية ؛ و تعطي اهتمامها لمثل هذه الوثائق , ويبدو أن تلك الجهات كانت تستظل بجيش التحالف الذي يقوده إبراهيم باشا , وقد أشار سادلير إلى شيء من هذا حين قال ((وعندما تمكن إبراهيم من وضع يده على الدرعية , دخل القلعة , ودخل بيت عبدالله مع بعض خدمه الموثوقين , ولم يسمح لأي فرد من عائلته أن يحمل شيئاً يمكن نقله ؛ إذ كان يتوقع ..أن يجد بعض النفائس , …, ويُعتقد أن مجموعة هائلة من الكتب قد كُدست , وأرسلت إلى المدينة المنورة ابتهاجاً بالنصر ليفحصها المختصون في العلوم الدينية قبل السماح بقراءتها )) (3).
ولعلنا في ختام هذه المقدمة نقدم شيئاً جديداً يفيد البحث التاريخي وبموضوعية حاولنا بقدر كبير أن نجعلها سمة البحث إن شاء الله , والله ولي التوفيق .
د. صالح بن محمود السعدون
ســـــكاكا – الجـــــوف
1429هـ-2008م

التمهيد :
كانت الكويت قد أصبحت مهددة من قبل النفوذ السعودي منذ أن تم احتلال الأحساء وذلك في العقد الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي 1210هـ / 1795م , ولعل الاضطراب السياسي الذي حدث لإمارة بني خالد إثر قتل سعدون بن عريعر لأخويه ثم ثورة دويحس وابن سرداح على سعدون قد أدت إلى فقدان تلك الإمارة لقدراتها في حفظ الأمن اللازم لضمان أمن التجارة , كما يبدو أنها أعطت مدينة الكويت نوعاً من الاستقلالية لتستورد وارداتها من الموانئ الهندية دون المرور الإجباري في موانئ الأحساء القطيف والعقير ؛ وهو النظام الذي كان متفقاً عليه بالخليج , فقد فرض على سفن الخليج أن تمر بمسقط ثم بموانئ الأحساء قبل توجهها إلى شمال الخليج , وكانت إمارة بني خالد قد وقعت اتفاقية سياسية واقتصادية مع شيخ الكويت , ولكن بسقوط الإمارة الخالدية بدأ شيوخ الكويت محاولتهم فرض واقع جديد فيما يتعلق بعلاقاتهم بقوى جزيرة العرب والتخلص من الاتفاقية المعقودة مع آل حميد ؛ و بدأوا بسياسة تتجه نحو الاستقلال بأمورهم التجارية (4).
لقد اتسمت تلك الفترة بأنها فترة صحوة عربية وإسلامية في المنطقة كلها ؛ وكأن العالم العربي والإسلامي قد قرر أن ينتــفــض على كل أنواع الفرقة والتخلف وبدت آفاق وحدات كبرى في إيران على يد نادر شاه , وفي جزيرة العرب على يد الدولة السعودية الأولى , ثم في مصر والشام وشمال أفريقيا والسودان على يد الألباني محمد علي باشا ؛ فقبل الصحوة العربية في نجد – التي انتهجت حركة الإصلاح الديني كمنهج لها- بقليل ؛ فقد كانت بلاد فارس تموج في حركة سياسية كبرى ؛ قادها نادر شاه قبل مقتله كانت في شكلها صحوة توحيد مذهبي بين السنة والشيعة على مستوى العالم الإسلامي , وذلك بعد أن ضم أجزاء من الهند وأفغانستان وأجزاء من آسيا الوسطى كما حاول ضم العراق , إلى جانب محاولته لأول مرة ربما في التاريخ الإسلامي توحيد المجتمع الإسلامي ( السنة والشيعة ) من خلال مؤتمر للحوار ( مؤتمر النجف عام 1156هـ / 1753م ) ؛ بحيث يتخلَّى الشيعة عن سب الصحابة , وأن على أهل السنة الاعتراف بالتشيع مذهباً خامساً ؛ تحت اسم المذهب الجعفري والصلاة والخطبة في الركن الشامي من الكعبة في موسم الحج بعد صلاة الإمام المختص من صلاته ؛ كما أعلن المذهب السني مذهباً رسمياً لإيران , مما جعل العالم الإسلامي لأول مرة يتراءى له في الأفق وحدة مذهبية كانت ستغير معالمه ربما إلى الأبد (5), كما أنه بذل جهوداً كبرى لإقامة بحرية ضخمة في الخليج .
وما إن سقطت سلالة نادر شاه واعتلى كريم خان من سلالة الزنديين الحكم في إيران حتى تخلى عن كل تلك الطموحات السياسية والعسكرية وحتى الدينية , عدا محاولات متعددة لغزو العراق , وإن كان قد دخل في مشروعات سياسية كبرى مع فرنسا وبريطانيا وروسيا عادت على إيران بخسائر سياسية وإقليمية فادحة (6) ؛ وفي الوقت ذاته اعتلى عرش بغداد والٍ جديد هو سليمان باشا الكبير , حيث قام بإصلاحات كبرى في العراق , وكان هذا في الوقت نفسه متزامناً مع ظهور صحوة دعوة الإصلاح بنجد وقيام الدولة السعودية الأولى , كل ذلك كان يحدث حول الخليج العربي في جزيرة العرب والعراق وإيران بينما قوى البحر الخليجية ( عتوب البحرين وقواسم رأس الخيمة و عتوب الكويت وأئمة عُمان ) تنشط في السيطرة على بعض المواقع في البر الفارسي وكذلك في شرق أفريقيا كلما ضعفت السلطات الفارسية في الداخل وانشغلت عن شئون الخليج , إلى جانب نشاطها التجاري مع الهند.
كان من أكبر المتغيرات في المنطقة أن سقطت دولة بني خالد في الأحساء بعد أن بددت قوتها في صراع مرير دام أكثر من ثلث قرن مع دولة فتية هي الدولة السعودية بنجد , مما ساعد الأخيرة بأن تسيطر على الأحساء ذاتها وقد اعتبر هارفارد جونز بريدجز مساعد وكيل الوكالة البريطانية بالبصرة أنه قد (( وقعت حكومة بغداد منذ البداية بخطأ مصيري عندما أتاحت الفرصة لابن سعود لكي يخضع قبيلة بني خالد ويضمها إلى بقية أتباعه )) إذ أن ذلك قد أتاح للدرعية الانطلاق نحو الكويت والبحرين وقطر (7).
ومما لا شك فيه أن قيمة الكويت في ذلك الوقت 1750-1770م /1164-1184هـ كانت لا تساوي – ربما – قيمة الحملة التي قد تجرد لغزوها ؛ ومن هذا المنطلق فقد اكتفى باشا بغداد بربطها إدارياً بإيالة البصرة التي يحكمها زعيم المنتفق .
ورغم أن أبو حاكمة يذكر أن بعض المدن الخليجية ومن ضمنها الكويت قد نمت وازدهرت مع حلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر 1750م /1164هـ , غير أن هذا القول على الأرجح لا يخلو من المبالغة . خاصة حين يقر أن الكويت (( ترعرعت ونمت حتى صار بمقدورها في نهاية القرن الثامن عشر أن تقاوم أقوى القوى البحرية والبرية العربية العاملة في الجزيرة العربية و في الخليج )) (8) .
ولعلنا نسلم أن الكويت كانت ذات قوة اقتصادية وربما قوة بحرية ( عسكرية ومدنية ) بين 1776-1800م , ولكنه من المؤكد أنها لم تكن كذلك في السنوات الخمس والعشرين السابقة لتلك الفترة .
الفصل الأول : أ) ازدياد أهمية موقع الكويت :
كانت الكويت مجرد مشيخة تابعة للتاج العثماني باستانبول من خلال سلسلة إدارية بعيدة منذ عام 1128هـ / 1716م ؛ فالكويت بداية كانت على علاقة تبعية ببني خالد كما تتبع شيخ المنتفق الذي يتبع بدوره لحاكم البصرة الذي يتبع باشا بغداد منذ عام 1130هـ /1718م , وكانت تلك المدينة المسورة من ناحية البر والمفتوحة تجاه البحر تعتمد في حياتها كلياً على البحر وتجارة البحر مع الهند ما عدا الماء والحطب الذي يستمد الكويت بهما من الجهراء غرب الكويت (9) , وفي الوقت الذي كانت البصرة تسيطر على ما يزيد عن 80% على وجه التقريب من تجارة هذه الطريق التجارية الرئيسية بين بلاد الشام والعراق مع الهند ؛ – حيث كانت البصرة مركز الوكالة البريطانية في العراق – فإن الكويت لم تكن تسيطر إلا على قليل جداً من هذه السوق التجارية كوسطاء تجاريين .
و يبدو أن الكويت قد استفادت من الحروب في المنطقة وبنت مكانتها التجارية الجديدة على مصائب الآخرين كما يقول المثل ” مصائب قوم عند قوم فوائد ” , ورغم أن الكويت بدأت تتحسن مكانتها التجارية الإقليمية بشكل كبير بداية من عام 1197هـ /1783م حين وقعت الحرب بين البحرين ( نصر آل مذكور) والزبارة ( آل خليفة ) , حيث هرب التجار بأموالهم ومراكز تجارتهم إلى الكويت خوفاً من تلك الحرب فرحب بهم الكويتيون ؛ إلا أن الكويت بدأت تأخذ مكانتها الإقليمية قبل ذلك بسنوات بعد حصار البصرة من قبل مملكة فارس عام 1190هـ/ 1776م , حين انتقلت القنصليات الأجنبية من البصرة إلى الكويت بانتظار عما تسفر عنه المنازلة الفارسية – العثمانية آنذاك ؛ ذلك حين قرر الوكيل الإنجليزي هنري مور (Henry Moore) نقل قنصليته أو وكالته الإنجليزية من البصرة إلى الكويت ؛ حين توقع أن سقوط البصرة بيد الجيش الفارسي محتمة في عهد كريم خان شاه فارس عام 1189-1190هـ / 1775- 1776م ؛ وذلك بعد حصار دام أكثر من عام إذ استمر ذلك الاحتلال حتى عام 1193هـ/ 1779م , وبهذا (( لم تعُد البصرة مركزاً لتجمع البضائع الذاهبة للهند والقادمة منها , إذ توقف سير القوافل التجارية الكبيرة التي كانت تخرج منها إلى سوريا وبغداد . وأخذت الكويت محل البصرة في هذا الشأن . فأصبحت مقراً للقوافل التي تعبر الصحراء )) فتحول بناء على ذلك الحدث التاريخي الكبير الطريق التجاري لشركة الهند الذي يصفه د.أحمد حسن جودة بأنه يمتد من (( الهند والبصرة مع بغداد وحلب وأزمير والقسطنطينية )) تحول هذا الطريق من البصرة إلى الكويت وبمعنى آخر أصبحت الكويت (( مركزاً للتجارة الوسيطة الكبرى بين البحر الأبيض المتوسط وموانئ الخليج والهند )) (10).

ب) المصالح الدولية حول الكويت :

في تلك الفترة كانت المنطقة تشهد نهوضاً إقليمياً ودولياً كما فصلناه أعلاه فمملكة فارس استعادت وحدتها , والدولة السعودية تمكنت من توحيد معظم جزيرة العرب , والعراق يحاول أن يقوي نفوذه من خلال تجديد بعض القطع البحرية التي تمكنه من الدفاع عن نفسه أمام القوى المجاورة , وشركة الهند الشرقية تحاول أن تغير من سياساتها تحت ضغط التنافس مع فرنسا , وفي حقيقة الأمر أن البصرة كانت في مأمن من نجاح الجيش الفارسي في احتلالها حينئذٍ , و لكن حين انسحبت قطع الأسطول البريطاني من شط العرب – بما يشبه التآمر على العراق مع مملكة فارس – بل ما هو أشد من ذلك فقد سرقت أو خطفت شركة الهند الشرقية أفضل قطعتين حربيتين عراقيتين متطورتين كانتا تدافعان بشراسة عن البصرة ضد الجيش الفارسي هما (دجلة والفرات إنجليزيتي الصنع ) وأخرجتهما معها من المعركة نحو الخليج العربي رغم أنهما عراقيتان ؛ فأسقط بيد المدافعين العراقيين وسقطت البصرة بيد الجيش الفارسي , وكما يلمح السير هارفارد جونز أن انسحاب الوكالة البريطانية من البصرة نحو الكويت ؛ كان للضغط على باشا بغداد من أجل أن يصل إلى حل الخلاف ” المضجر ” معهم , وذلك حين يرى الباشا خطورة انسحابهم إلى الكويت على تجارة المدينة ؛ فإن السير هارفارد يعترف أن هذا الخلاف قد (( أسهمت مكايد اليهود من ناحية , وعدم الثقة من قبل الأتراك من ناحية أخرى )) في زيادة هذا الخلاف (11) .
وعلى ضوء هذا الاعتراف يمكن التقرير أن لعبة تغيير الطريق التجاري – من الهند إلى بغداد والشام عبر البصرة ليصبح عبر الكويت – برمتها كانت أيضاً على الأرجح ” مكيدة ” أو مؤامرة يهودية كان الهدف منها إجبار الأتراك ببغداد تقديم تنازلات وتسهيلات تجارية أكثر لهم ومنحهم امتيازات أكبر ؛ وقد انتقلوا بثقل أموالهم وضخامة رساميلهم إلى الكويت , و لعل صموئيل مانيستي نفسه رئيس الوكالة البريطانية يحمل اسماً يهودياً , و سواء كان ذلك وفق اتفاق واضح مع شيخ الكويت أو وفق اتفاق ضمني لنقل الوكالة البريطانية من البصرة للكويت , وقد كانت الخلافات التي زادت مع متصرف أو متسلم البصر عبدالله أغا الذي كان لديه طموح بالاستقلال عن بغداد ولحاجته للمال فقد فرض ضرائب باهضة على التجار اليهود في البصرة , وكانوا يسيطرون على التجارة الأوروبية فيها , ويستخدمون محلاً تجارياً ضخماً أسمه المعمل البريطاني كمخزن لإيداع بضائعهم فيه , ولخشيتهم من مصادرة متسلم البصرة كل ما فيه من أموال فقد تم نقله بين عامي 1208 هـ / 1793م و1210هـ /1795م حيث وجدوا رعاية واهتماماً كبيراً بالكويت كما يذكر خزعل (12) .
إننا لا نغالي إذا ما ذهبنا إلى أن محاولة فرض استقلال الكويت على الدولة العثمانية والعراق والدولة السعودية وحتى مملكة فارس كانت مصلحة تجارية بحتة لشركة الهند الشرقية والتجار اليهود في البصرة والمنطقة , على عكس المصالح الإقليمية لبعض دول المنطقة التي تسعى لإخضاع الكويت لنفوذها , ففي الوقت الذي بدأت الوكالة الإنجليزية تتشدد في شروطها ومفاوضاتها بناء على مكايد اليهود- كما أسلفنا – مع باشا بغداد للحصول على امتيازات تجارية جديدة أفضل , فقد تم خطف أفضل السفن العراقية التابعة لباشا بغداد المدافعة عن البصرة لتقع البصرة تحت يد الجيش الفارسي ؛ في حين انتقلت الوكالة إلى الكويت لتنظيم أمر التجارة الصحراوية المنقولة بين الهند وحلب نحو أوروبا , وتنظيم أمر البريد الصحراوي بين الهند وحلب .
ولعل مسئولي الوكالة البريطانية قد بدأوا بتغيير سياساتهم بالمنطقة ويعرضون على لندن خطتهم الجديدة باستقلال الكويت منذ عام 1190هـ / 1776م – وهو يتوافق مع الخلاف مع باشا بغداد والحرب الفارسية العراقية لاحتلال البصرة – حين كتب القنصل الإنجليزي بحلب لمسئولي الوكالة بالبصرة الذي بدورهم أرسلوا هذا الكتاب لمجلس المديرين بلندن بتاريخ 24يولية 1776م/1190هـ وفيه عرضوا فيه التوجهات والسياسات الجديدة التي تريدها الوكالة بالمنطقة حيث قال : (( …إذا كان بالإمكان بقاء القرين [ الكويت ] محايدة فإنه يمكن للقوافل أن تسافر إليها , وأن تحمَّل البضائع منها إلى هذا المكان [حلب ] , ذلك أنه ما دامت الحرب في البصرة ستطول فإنه لابد للتجار من أن يهجروها … ويبدو أن القرين ذات موقع جيد يمكنها أن تكون خلفاً للزبير ؛ غير أن هذا سوف لن يتأتى من دون بقائها مستقلة … ولذا فإنه من مصلحة التجار الذين يعملون معكم أن تبقى القرين تحت سلطات حكامها الحاليين من بني خالد مستقلة عن الفرس )) , وأضاف لاتوش من مسئولي الوكالة بالبصرة أنه يتطلع لمثل هذا الحدث أي تصريف تجارة الهند والبنغال إلى حلب وبغداد من الكويت (13) .
و لعل مما يعطي ترجيحاً كبيراً لما ذهبنا إليه أن تلك الأحداث قد ساعدت اليهود في تأسيس سوقاً كبيراً خاصاً بهم في الكويت , أطلق عليه سوق اليهود , يمارسون فيها التجارة اليومية ما عدا يوم السبت الذي هو عطلة هذا السوق اليهودي . ويقول محمد إبراهيم الشيباني في بحث له عن أسواق الكويت : (( تغلق السوق يوم السبت لأن عيدهم في هذا اليوم , وكذلك تتوقف التجارة لأنهم يتحكمون فيها . فلما رأوا أن شوكتهم قد قويت وظنوا كما ظن غيرهم ممن جاء بعدهم أنهم يستطيعون إزعاج الحكومة وتخويفها , وأنها ستتركهم على مبادئهم ومخططاتهم للوصول إلى مكان عالٍ في السلطة يستطيعون من خلاله أن يثبتوا دعائم دينهم وينشروا نفوذهم ولكن كانت الحكومة لهم بالمرصاد … فقامـ[ت] بطردهم من البلاد وإرجاعهم من حيث جاؤوا )) (14) .
غير أن رجال الوكالة كان لهم في الواقع سطوة في الكويت على عكس ما يذكره الشيباني ؛ بحيث أنه قد كان لهم القدرة على القبض على السنيور فيزيتي نجل وكيل القنصل البندقي في حلب الذي كان مسافراً للهند على سفينة كويتية في مدينة الكويت قبل سفره منها كما يذكر أبو حاكمة ؛ بل ولم يبد شيخ الكويت أية اعتراضات على طلبات الوكيل الإنجليزي منه القبض على عملاء فرنسيين يحملون بريداً ومراسلات فرنسية للهند وغيرها , وما هو أكثر من ذلك منحهم حق تفتيش أي سفينة كويتية في عرض البحر أو في الكويت بقصد البحث عن مبعوثين أو مراسلات أجنبية في نوفمبر عام 1795م (15) .
ج) أهمية الكويت للدولة السعودية :
وإذا كان ما ذكر أعلاه يمثل أهمية تلك المدينة على المستوى التجارة الإقليمية والدولية ؛ فإن بعض المؤرخين يعطون تفسيرات أخرى لأهمية الكويت بالنسبة للدولة السعودية ؛ فيرى د.مفيد الزيدي أن (( الكويت المنفذ التجاري وميناء التموين بالنسبة للدرعية …)) (16).
والمرجح أن هذا القول بأن الكويت منفذ تجاري للدرعية قولٌ مبالغ فيه إلى حد كبير أو قل إنه وصف لا يتطابق مع الواقع التاريخي , فالدرعية من حيث قرب المسافة والأهمية تجد في موانئ الأحساء والبحرين وقطر أهمية أكثر من أسواق الكويت بجيث لا يمكن أن تكون الكويت منفذاً تجارياً مناسباً لمنطقة العارض , فتجارة الهند كلها تأتي إلى الدرعية من خلال مواني الزبارة والبحرين والدمام أو العقير قبل أن تصل إلى الكويت ؛ عدا التجارة والمواد التي تستوردها الكويت من بلاد فارس والعراق فربما ستكون مهمة للدرعية , ورغم كل ذلك فموانيء قطر والبحرين والأحساء تستورد كذلك من العراق وفارس أسوة بالكويت ؛ خاصة أن الزبارة والبحرين كان لها نصيباً كبيراً من تجار البصرة الأثرياء الفارين والمهاجرين منها بعد أن سقطت بيد الفرس عام 1189-1193هـ / 1775- 1779 م (17) .
وقد تكون الكويت مهمة تجارياً لبعض المناطق التابعة للدولة السعودية كحائل مثلاً نظراً لقرب الكويت من الطريق الذي يربط حائل بالعراق , والذي يمر قرب الكويت حيث تستخدمه قوافل الحج كما تستخدمه قوافل التجارة , وهو ما يذكره بلجريف في عصر الملك عبدالعزيز وصراعه مع إمارة حائل , حين يقول حسبما أورده أحمد حسن جودة (( وبصفة الكويت المنفذ الوحيد لجبل شمر وعاصمته حائل ولمعظم [شمالي ] نجد , فلقد وصفها بلجريف بأنها تشبه ” تريستا بالنسبة للنمسا ” , كذلك كانت الكويت ميناء حراً لجميع الجنسيات والأقطار. وكانت جميع منتجات نجد , كالخيول والأغنام والصوف وما شابه ذلك , تصدر إلى الهند عن طريق ميناء الكويت )) , أو كما يورد بيلي في تقرير له من أن الكويت كمصدر تموين للبادية القريبة (( أن ميناء الكويت كان يعتمد على تصدير المؤن إلى الجهات الداخلية والتي لم يكن يسمح لسكانها البدو بدخول المدينة بسلاحهم )) (18).
و في رأينا أنه مما يعطي أهمية الكويت كميناء للدولة السعودية الأولى هو ما يذكره نائب وكيل الوكالة البريطانية السير هارفارد جونز بريدجز الذي يقول (( ولكن لأن القرين كانت في ذلك الوقت الميناء الوحيد تقريباً على الساحل الغربي للخليج … الذي لم يخضع لابن سعود , فإنه كان يتطلع بلهفة إلى إخضاع شيخ ذلك الميناء , أو التوصل معه إلى اتفاق )) (19), وهو ما يعني أن الأهمية الكبرى للكويت كانت تنحصر بأمور سياسية وعسكرية بالدرجة الأولى بأن موانئ الخليج العربي كلها سقطت بيد الدرعية وأن ضم الكويت إنما هو تتويج لهذا الجهد السياسي والعسكري السعودي بضم كامل شاطئ الخليج العربي من شماله إلى جنوبه تحت النفوذ السعودي .
ثم تأتي بالدرجة الثانية كما يبدو أن سوق الكويت تمتلك من أصناف الأسلحة الواردة من السوقين العراقية والإيرانية ومسقط وغيرها ما لم تمتلكه أي موانئ أخرى بالخليج العربي , فكما يذكر أبو حاكمة حسب وثائق وتقارير شركة الهند الشرقية : أن من ضمن ما يستورد من بلاد فارس من المصنوعات (( رؤوس الرماح ومواسير البنادق وغيرها في شيراز , ومنها تتزود مختلف الأماكن في الخليج بهذه الأدوات )) و تحدث تقرير لشركة الهند الشرقية من أن نوع جديد من التجارة بدأ منذ سنتين في الكويت [أي 1203 هـ/ 1788م] لأصناف متعددة منها ” الأسلحة النارية الأوروبية ” كما يذكر هذا التقرير أن الموردون الفرنسيون كانوا يوردون إلى أسواق مسقط ” القنابل المدفعية الصغيرة وبعض الأسلحة النارية ” أو كما يؤكد ريتشارد هول من أن السلاح كان يأتي للخليج والمحيط الهندي من مهربي أسلحة أمريكيين (( إلى حد أنه في عام 1808م أعرب تجار كلكتا عن شكواهم من محدودية الحماية التي تقدمها البحرية الملكية البريطانية لهم …وساد غضب شديد حيال أنباء مفادها أن مهربي الأسلحة الأمريكيين يقدمون معدات تناسب المغامرين ثم يتقاسمون العوائد معهم )), وكانت الكويت تحتضن سوقاً قديماً للسلاح وإن كان ربما صغيراً , ولعله مما يؤكد اهتمام الدرعية بسوق السلاح الكويتي هو ما ذكره عبدالعزيز الرشيد وخزعل من قصة طلب الإمام سعود الكبير في واحدة من مراسلاته السرية من أحد تجار الكويت الذي تربطه مصالح اقتصادية بالأحساء تزويده بالسلاح (20) ؛ و هو ما يؤكده ابن غنام عن نتائج غزوة إبراهيم بن عفيصان بأهل الخرج والعارض على الكويت عام 1208 هـ / 1793م من أن الجيش السعودي قد غنم من الجيش الكويتي المنهزم ” أسلحة ثمينة ” (21) .
ويرى غيورغي بونداريفسكي أن شيخ الكويت عبدالله الصباح قد حوَّل (( جزءاً كبيراً من المتحصلات الجمركية لبناء وشراء المراكب الشراعية الكبيرة التجارية والعسكرية أيضاً )) , حيث باشر شيخ الكويت منذ عقد السبعينيات من القرن الثامن عشر (1184-1195هـ / 1770-1780م ) بتوظيف بعض أموال الضرائب في بناء أسطول بحري بينها عدد من السفن العسكرية من بريطانيا في الهند , تلك السفن التي زوِّدت بالمدافع (22) ؛ و تؤكد وثائق شركة الهند الشرقية في رسالة بعثها صموئيل مانيستي الوكيل الإنجليزي في البصرة والكويت بتاريخ 1210هـ/ 17 يناير 1795م إلى اللجنة السياسية السرية بلندن ؛ والتي تحدث فيها عن السفن الكويتية أنها ” معدة إعداداً ممتازاً للقتال ” وأن الأسطول الكويتي يمتلك ” أسلحة حديثة متقدمة ” من خلال أسواق الهند (23) ؛ مما يعني أن الأسطول الكويتي ذاته كأسطول قوي مُعدٌ للقتال يعتبر واحداً من الأسباب المغرية للدولة السعودية التي تجعل من إخضاع الكويت للنفوذ السياسي السعودي هدفاً رئيسياً , ربما لاستخدامه فيما وراء الخليج .

د) العلاقات الإنجليزية – الكويتية مع الدرعية :
ليس من الواضح تماماً ما هي التفاهمات التي تمت بين حاكم الكويت مع القنصلية أو الوكالة الإنجليزية التي انتقلت من البصرة تحت ضغط الهجوم الفارسي عليها واحتلالها وأسر واليها العثماني سليمان أغا الذي سيصبح أسمه سليمان الكبير أو سليمان باشا والي بغداد فيما بعد ؛ على أن الكويت قد استفادت فائدة عظيمة من هذه الحرب ؛ إذ انتقلت مركز أو عقدة أو حلقة الوصل في التجارة الإقليمية بين بلاد الشام والعراق من جهة وبلاد الهند من جهة أخرى إلى الكويت بدلاً من البصرة , كما انتقلت الأرصدة المالية – إن صح التعبير – والتجار ومركز تجارتهم بشكل نهائي إلى الكويت , وقد أصبحت البصرة خراباً حتى بعد انسحاب الفرس من البصرة , فلم تعُد إليها تلك الحيوية كوسيط تجاري إقليمي في ذلك القرن على الأقل (24).
وعلى أية حال فإنه كان من الواضح تماماً أن الكويت قد بدا عليها التغيير من نواح متعددة كالنواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع احتلال الفرس للبصرة , فقد رحل كثير من الوافدين الذين كانوا يمارسون التجارة من البصرة إلى الكويت ومن جنسيات مختلفة طلباً للأمن ؛ وكان ممن هاجر للكويت في تلك الفترة من سكان البصرة التجار الوافدين والهاربين من جحيم الحرب ؛ عرب وإيرانيين وهنود وباكستانيين و حتى يهود وغيرهم من الجنسيات المختلفة (25) .
وما من شك أن بداية العلاقة السياسية وحتى التصادم العسكري بين بريطانيا والدولة السعودية ؛ إنما كانت بسبب التدخل البريطاني بالصراع السعودي الكويتي ؛ ثم تطور ذلك الخلاف إلى البريد البريطاني الصحراوي , حيث بدأت محاولة بريطانيا الاتفاق مع الدولة السعودية على تأمين سلامة وصوله عبر الأراضي السعودية والمنطقة الواقعة بين بغداد ودمشق والتي تسيطر عليها وتتحكم فيها قبائل عنزة الخاضعة للدولة السعودية (26) .
وقد اتخذ دعم الوكالة البريطانية في الكويت في الصراع السياسي والعسكري الذي خاضته هذه المشيخة ضد الدرعية طابعاً عسكرياً وصل إلى حد الانخراط في الحسم العسكري لإحدى المعارك ضد الجيش السعودي ؛ فقد ذكر السير هارفارد جونز أن الوكالة البريطانية في الكويت كانت تقف عسكرياً إلى جانب شيخ الكويت ضد هجمات الجيش السعودي , وجونز كنائب للوكيل البريطاني بالكويت كان يكتب كمعاصر للأحداث إن لم يكن كصانع لبعض منها , فيقول : (( في أحد الأيام الرائعة لبست الأمور مظهراً مختلفاً , وأخذت منحى جديداً , لقد ظهر ..حوالي خمسمائة من الأعداء … كانوا متجهين إلى البلدة ؛ وفي الحال نهض الشيخ العجوز والسكان إلى دفاعاتهم , وكان أفضل ما فعلوه أنهم حملوا معهم مدفعاً أخذوه من أحد مراكب الشيخ [ ؟!!!] لقد وضع الجميع كل ثقتهم وآمالهم في السلامة والنجاة في هذه الآلة العظيمة , وفعلاً لم تخذلنا [؟!!] تلك الآلة … لقد عرَّض ظهور العدو وهو مسلح برماح طويلة رهيبة , وممتطياً ظهور خيل نشيطة وجريئة , عرض شجاعة الكثيرين إلى امتحان صعب , لأنهم في حالة فشل حليفهم المدفع في آداء دوره , فإن أهل القرين ربما يتعرضون لهجوم يقطعهم أوصالاً قبل أن يتمكنوا من إعادته للعمل مرة أخرى … ولذلك عندما اقترب المتحاربون … ثار المدفع , وانطلقت القذيفة بعيداً حيث اصطدمت بأرض الصحراء مثيرة للغبار على بعد ياردات قليلة من العدو)) ويذكر هارفارد أن الجيش السعودي ذُهل من كون أهالي الكويت يمتلكون مدفعية , مما أدى إلى انسحابه من المعركة (27) .
ربما لأن معلومات قيادة الجيش السعودي الاستخباراتية لم تبلغهم مسبقاً بامتلاكهم لهذا السلاح , ولعل المدفع هو سلاح بريطاني أنزل من أحد المراكب البريطانية التي كانت ترسو بميناء الكويت وتتبع للوكالة البريطانية .
ويؤكد أبو حاكمة في ( تاريخ الكويت ) هذه الحادثة عن موظف آخر من الوكالة البريطانية مما يؤكد أن هارفارد جونز لم يقل كل الحقيقة ربما لأسباب دبلوماسية بحتة أملتها عليه طبيعة عمله , وهذا الرأي يؤيده غيورغي بونداريفسكي بقوة إذ يرى بأن ” كل الشواهد تشير إلى أن معلومات رينود ( رينو ) التي كانت قد ذكرت عقب الأحداث مباشرة , هي الأقرب للصحة مما ورد في مذكرات بريدجز المنشورة بعد مرور أربعة عقود إلى درجة أنه ذكر خطأً سنة هجوم السعوديين على الكويت بأنها 1792 م ” أي في عام 1207هـ (28) , ويذكر أبو حاكمة نقلاً عن جون لويس رينود الموظف موظف البريطاني بالوكالة الذي كتب رسالة للدكتور ستيزن في مدينة حلب في عام 1805م /1220هـ , حيث أكد أن (( مانستي [ الوكيل البريطاني بالكويت ] قد أمر بإنزال مدفعين من طراد بريطاني إلى البر , وأن حرس الوكالة قد ساهموا في صد الهجوم السعودي , وأن السعوديين قد تكبدوا خسائر فادحة جراء نيران الطراد الإنجليزي )) , بل إن الطراد البريطاني قد (( طارد الجيش السعودي المنسحب في محاذاة شاطئ البحر نحو الأحساء , وكبدهم خسائر فادحة أثناء انسحابهم من خلال القصف المدفعي , ويضيف رينود أن السعوديين قد غضبوا من تصرف رجال الوكالة البريطانية وقاموا بغارات على بريد الشركة ؛ مما اضطر مانستي إلى إرسال رينود نفسه إلى الدرعية لتسوية الأمر )) , وبعد أن كان أبو حاكمة يعالج المسألة في بداية حديثه عن هذا الموضوع بأن الوكالة لم تتدخل بالصراع السعودي الكويتي وأن أهل الكويت وحدهم فقط قد دافعوا عنها ؛ نجد أنه يعترف أخيراً قائلاً (( من المحتمل أن رواية رينود عن دور الوكالة لا يمكن أن تكون خيالية , فهناك أدلة كثيرة يمكن أن تؤيدها )) (29).
وبهذا فإن الدرعية قد اكتشفت بصمات الوكالة البريطانية وجنودها وطراداتها بالهجوم المدفعي المعاكس ضد الجيش السعودي الذي أثبت التورط البريطاني المكشوف بالصراع , وكما يقول غيورغي بونداريفسكي (( ولو سلمنا فرضاً بأن رينو يبالغ إلى حد ما في دور ممثلي شركة الهند الشرقية إلا أنهم – بلا جدال – قد شاركوا في الدفاع عن الكويت , لأن وقوعها في يد السعوديين كان من شأنه أن يلحق ضرراً بالغاً بمصالح شركة الهند الشرقية , فضلاً عن احتمال فقدها الميناء الوحيد في ذلك الوقت بالساحل الشمالي الغربي للخليج الذي يشكل حلقة وصل هامة للغاية بالنسبة لتجارة البحر الأبيض المتوسط مع الهند )), بل إن أبو حاكمة يعطي السبب المقنع عن عدم ذكر هارفارد جونز للحقيقة التي وقعت في تلك الأحداث وأن رواية رينود هي الأكثر صحة حيث يقول إن الوكيل البريطاني ربما اتخذ قراره بشكل شخصي وعلى مسئوليته للعرفان بالجميل لشيخ الكويت الذي رحب به في بلاده ولحماية بضائع الشركة المكدسة بالكويت (( غير أن مانستي في نفس الوقت لم يكن قادراً على أن يشرح لرؤسائه في لندن في رسائله الدور الذي لعبه ضد الوهابيين نظراً لأن سياسة الشركة كانت حتى ذلك التاريخ سياسة حياد بين قوى الخليج )) (30) .
وقد كان رد فعل الدرعية طبيعياً أن تفعل ما بوسعها لمعاقبة شركة الهند الشرقية أو قل بريطانيا في مفصل اليد الذي يؤلمها وهو طريق الصحراء , حيث لا يمكن للجيش أو الأسطول البريطانيين أن يقدموا الحماية لطريق البريد الصحراوي , ذلك أن تأييد بريطانيا للكويت يؤثر سلباً على المشروع السعودي بتلك المنطقة برمته , كما يؤثر على الخطط السعودية الجديدة تجاه إيران والساحل الشمالي الشرقي للخليج التي بدأت الدرعية تتطلع إليهما ؛ مما اضطر بريطانيا إلى الإذعان ؛ حيث أرسلت بعثة رينود مساعد القنصل البريطاني في البصرة كمبعوث سياسي على رأس وفد سياسي في عام 1214هـ / 1799م إلى نجد , وقابل الوفد الإمام عبدالعزيز بن محمد وحاول رينود تأكيد رغبة الحكومة البريطانية في إقامة علاقة ودية مع الدرعية , والحصول على وعد من الإمام ” بتأمين البريد البري الصحراوي بين حلب والبصرة , ” ولكن مهمة البعثة فشلت – كما يرى بعض المؤرخين – لأن الإمام عبدالعزيز أبلغ البعثة عدم التزامه بسلامة طريق البريد ؛ واشترط للقيام بمثل هذا الأمر أن تدفع بريطانيا ثمناً سياسياً لمثل هذا التعاون ؛ بأن تقوم بريطانيا بالوساطة بين الدرعية وبين باشا بغداد لتحسين العلاقات بينهما , وهو الأمر الذي يبدو أن بريطانيا كانت غير راغبة فيه ؛ وترى الموسوعة العربية العالمية أن زيارة الوفد البريطاني بقيادة رينود للدرعية كانت لتنقية أجواء العلاقات الإنجليزية السعودية مما شابها من توتر , خاصة بعد تدخل حرس الوكالة البريطانية في الكويت مع القوات الكويتية في صد هجوم للجيش السعودي على الكويت ؛ بحيث أدى هذا التدخل البريطاني في هذا النزاع إلى تعرض بريد شركة الهند الشرقية البريطانية المار من البصرة أو من الكويت إلى حلب لاعتداءات القبائل التابعة للدرعية , وتذكر الموسوعة أنه رغم الاستقبال الحافل الذي حظي به رينود وبعثته بالدرعية إلا أنه لم يحقق نجاحاً كبيراً في مهمته (31).
ويؤكد هارفارد جونز أن شيخ الكويت أصر على الاستعانة بالفرقة العسكرية التي كان هدفها حماية الوكالة البريطانية بالكويت في صد هجمات أخرى : (( اصطحبت الوكالة إلى القرين مجموعة صغيرة من الجنود الهنود , والتي كان يقوم بتدريبها أحياناً بعض الضباط المنتمين للفرقة نفسها خارج أسوار البلدة , ولأن الشيخ كان يعتقد أن مثل هذه المجموعة من الرجال لا يمكن أن تغلب , فقد أخذ يمارس ضغوطاً جادة لإنزالهم إلى ميدان المعركة عند حدوث أي خطر )) , و يعترف جونز أن العلاقات السعودية الإنجليزية لم تكن تحتمل مثل هذه المواقف المعادية للدرعية إلى جانب الكويت حيث يقول : (( ولكننا لم تكن لدينا أي رغبة في ارتداء عباءة المجد في مثل هذه المناسبة . وفي الواقع فإنه كان من الضروري جداً لضمان سلامة مراسلاتنا الرسمية التي كانت في ذلك الوقت تنقل عبر الصحراء من حلب وإليها أن تكون الوكالة على علاقة جيدة مع ابن سعود )) .
ويؤكد جونز في موقع آخر بأن الوكالة كانت قد درجت منذ كانت في البصرة على إرسال الهدايا لزعماء الدرعية , ورغم أن ابن سعود قد ” كون تقديراً خاطئاً ” للقوة البريطانية من الطراد إلى الفرقة الهندية المتواجدة بالكويت فقد (( كنا من الحكمة والحذر بحيث لم تكن لدينا رغبة في الدخول في تحالف فعلي مع أصدقائنا أهل القرين ضده [ابن سعود ] إلا عندما يجبرنا هو على ذلك )) (32) .
مما يعني أن الضغوط السعودية على البريطانيين وزيارة بعثة رينود للدرعية قد أثمرت بأن تقف بريطانيا على الحياد من جديد في الصراع السعودي الكويتي مقابل سلامة المراسلات الرسمية بين الهند وحلب . بل إننا قد تصيبنا الدهشة حين نجد أن بريطانيا لم تقف تجاه الهجوم السعودي على الكويت في عام 1795م /1210هـ أي بعد عامين من الحادثة موقف المتفرج فحسب ؛ بل إن مانستي قد اتخذ قراراً بمنتهى الخطورة – والذي قد يكون إشارة لشيخ الكويت بأن عليه التوصل إلى تفاهم مع الدرعية بعيداً عن مساندة بريطانيا , وهي السياسة ذاتها التي اتبعتها شركة الهند الشرقية مع إمام عُمان – وهو حين (( اتخذ في أغسطس من عام 1795م [ 1210هـ] قراراً بإعادة مقر المحطة التجارية [ الوكالة البريطانية ] إلى البصرة )) وذلك بعد أشهر قليلة من هجوم سعودي على الكويت في نفس العام (33).
ولعل الاتفاق الذي توصل له مانستي مع حاكم بغداد آنذاك قد اتخذ على عجل بناء على ما توصل إليه مانستي من نتائج مهمة تمخضت عنها مهمة رينود بالدرعية قبل أقل عامين ؛ بمعنى أن بريطانيا أدركت أن الكويت مهمة للدرعية , وأن سلامة بريدها الصحراوي وتجارتها عبر صحراء العراق والشام كان له الأهمية بمكان أكثر من العلاقات البريطانية الكويتية ؛ لذا وبعد أكثر من عام من زيارة الوفد البريطاني للدرعية , توصل مسئولو الوكالة في الكويت إلى ضرورة إتباع نفس السياسة المتبعة مع إمام عُمان حيث لم تبدأ بريطانيا بمساعدة سلطان عمان عسكرياً إلا في عام 1809م كما يذكر إتجيسون وفق وثائق شركة الهند الشرقية, ومن هنا تمت إعادة حساباتهم – شركة الهند الشرقية – مع القوى الإقليمية العراق والكويت والدرعية , فعادت الوكالة البريطانية إلى البصرة وأعادت العلاقات الطبيعية مع العراق , كما تم التخلي عن مساندة الكويت عسكرياً ضد الهجمات السعودية , و ربما تم نصح شيخ الكويت بضرورة التفاهم مع الدرعية . وهو ما يذكره هارفارد جونز حين يقول – وكما ذكرنا أعلاه – من أن البريطانيين لم يكونوا راغبين (( في ارتداء عباءة المجد في مثل هذه المناسبة )). كما أنهم في واقع الأمر يرون (( إنه كان من الضروري جداً لضمان سلامة مراسلاتنا الرسمية التي كانت في ذلك الوقت تنقل عبر الصحراء من حلب وإليها أن تكون الوكالة على علاقة جيدة مع ابن سعود )) , وأن مسئولي الوكالة كما يقول هارفارد :(( كنا من الحكمة والحذر ؛ بحيث لم تكن لدينا رغبة في الدخول في تحالف فعلي مع أصدقائنا أهل القرين ضده [ابن سعود ] إلا عندما يجبرنا هو على ذلك )).
وإلى جانب احتلال الكويت أهمية كبرى من حيث المركز التجاري إقليمياً؛ فقد أخذت مركزاً ريادياً بسبب البريد السياسي أو الدبلوماسي البري الذي كان لابد من الوصول إلى لندن من الهند عبر شرق الجزيرة العربية , وبهذا فقد بدأت العلاقات السعودية البريطانية تشهد تسخيناً أحياناً ومحاولة للتفاهم أحياناً أخرى ؛ ورغم أن الوكالة البريطانية بالكويت قد كانت متعاطفة مع تلك المشيخة في خصومتها ونزاعها مع الدرعية ؛ غير أنها غير قادرة على التدخل المعلن بسبب سياستها العامة بعدم التدخل في شئون جزيرة العرب من ناحية البر و(( لكي لا تبدو على علاقة عدائية باين سعود )) ؛ حيث كانت تعليماتها في عام 1805م /1220هـ لوكيلها (( بأن يتجنب ما أمكنه إغضاب أمير الوهابيين )) , وكما أصدرت تعليماتها للمقيم البريطاني بمسقط (( بأن يتجنب أي صدام مع ممثل ابن سعود )) في مسقط , ويرى ج.ج.لوريمر في دليل الخليج أن (( طبيعة العلاقات القائمة بين ممثل الحكومة البريطانية في الكويت وأمير الوهابيين يكتنفها الشكوك , فمن ناحية , تردد أن الهدايا كانت تحمل بانتظام إلى أمير الوهابيين الذي كان من جانبه يقوم بتوفير الحماية لخط البريد الصحراوي البريطاني إلى أوروبا . وقد قيل من الناحية الأخرى أن الوكالة البريطانية في الكويت قامت في صد هجمات الوهابيين , وأبدى الأمير عبدالعزيز بعدها دلائل سخط واضحة )) (34) ويبدو أن تفاهماً على مبادئ معينة بين الطرفين قد تم إبان زيارة رينود للدرعية بأن تقف بريطانيا موقف الحياد في الصراع السعودي الكويتي مقابل ضمان البريد الصحراوي من قبل القبائل الخاضعة للدرعية في صحراء العراق والشام .

هـ) أسباب حذر بريطانيا وسياستها تجاه جزيرة العرب :

ويذهب بعض المؤرخين – في أسباب عزوف أو خوف بريطانيا وحذرها من التدخل ضد الدرعية نحو تفسيرات غير منطقية ومتناقضة أحياناً , فيقول أبو حاكمة أن شركة الهند الشرقية كانت تقف في موقفها من الدرعية ضمن مجموعة من الدول تهدف إلى ” إرضاء الوهابيين ” ويفسر ذلك بقوله : إن مصالح الشركة في تلك المنطقة (( حتى ذلك التاريخ , تجارية محضة , وقد عملت الشركة بالتالي على تجنب أي اصطدام بالوهابيين , فالإنجليز لم يكن يهمهم الأحداث السياسية الجارية في هذه المنطقة ما دام بريدهم الصحراوي يسير فيها بأمان , وقد ضمنوا هذا بتخصيصهم هدايا خاصة لزعيم الوهابيين على حد قولهم )) وعلى حد تفسير أبو حاكمة لهذه القضية . بينما ذكر في فصل سابق مناقضاً نفسه حين قال من أن احتلال نابليون لمصر قد قلب الأوضاع وصارت السياسة تأتي في المقام الأول (35) .
ونرى أن الأمر يتعلق بالذاكرة الجماعية والتاريخية لأوروبا تجاه جزيرة العرب والتي جرب العالم الأوروبي الكرة الأرضية كلها في الاستعمار غير أنه لم يجرؤ على استعمار جزيرة العرب ؛ بحيث أن ذلك يعود إلى تجارب التاريخ المريرة والتي علقت بالذاكرة الأوروبية فيما يشبه أو ما يطلقون عليه ” لعنة الفراعنة ” .
ويلمح بنوا ميشان في كتابه (ابن سعود ولادة مملكة ) أن سبب هيبة ورهبة أوروبا من جزيرة العرب هو حدثين تاريخيين بارزين يبدو أنها قد حفرت في ذاكرة الشعوب الأوروبية ؛ الأولى هي حادثة غزو أرناط (رينو دو شاتيون ) زعيم الكرك الصليبي حين قرر غزو المدينة المنورة في يناير من عام 1183م حيث هوجم الجيش الصليبي على مسافة يوم واحد من مدينة الرسول من قبل فرسان أشداء من العرب والمسلمين فأسر ثلاثمائة فارس صليبي أوروبي بينما أبيد بقية الجيش البالغ قريباً من ألف وخمسمائة فارس , حيث يقول بنوا ميشان (( وبعد هذه التجربة البائسة , لم يحاول الفرنجة فيما بعد التقدم إلى الجزيرة العربية أبداً. لقد أقلعوا عن المغامرة في تلك المنطقة المتوقدة , التي يبدو , وكأن لعنة الله تحلق فوقها )) ويشير إلى أنه بعد هذه المغامرة سقطت ممالك أوروبا الصليبية في الديار المقدسة وبلاد الشام , مما جعل الإعتقاد – ربما – لدى الأوروبيين أن تلك البلاد يحميها الله سبحانه , أضف إلى الحادثة الثانية التي جعلت أوروبا وبريطانيا على رأسها تخشى من جزيرة العرب وهي محاولة العثمانيون في عهد سليمان القانوني عام 1550م , بحيث جردت حملة من دمشق لضم جزيرة العرب نحو حائل ونجد ؛ بيد أن تلك الحملة هلكت في الصحراء ولم يعثر لها على أثر (36) .
وإلى جانب تلك الحادثتين التاريخيتين في التاريخ الوسيط فقد شهد التاريخ القديم حملة بيزنطية بقيادة آليوس والتي فنت في جزيرة العرب , وكانت روما – قبل بيزنطة – قد حاولت السيطرة على اليمن من خلال حاكم مصر الروماني , ولكن تلك الحملة حملة جليوس أو ( آليوس ) في عام 24ق.م. للسيطرة على طريق التجارة وما أسمته تطهير البحر الأحمر من القراصنة , قد فشلت فشلاً ذريعاً , وأصيب رجالها بكارثة خيبت آمال الرومان , فعدلوا عن فكرة ضم بلاد العرب عسكرياً , واقتصرت خططهم على السيطرة على التجارة البحرية فحسب ؛ حيث حاول البيزنطيون الاستعانة بالأحباش ومعروف ما حل بالجيش الحبشي بقيادة ابرهة الأشرم حين اقترب من مكة المكرمة وبالتأكيد أن ما حدث للجيش الحبشي المسيحي قد عزز من نظرية ” لعنة الله ” التي ستحل بغزاة جزيرة العرب (37) , فكانت كل تلك الأحداث التاريخية عبرة لبريطانيا لتحذير ممثليها ووكلائها بعدم إغضاب ابن سعود أو التدخل في شئون جزيرة العرب داخل الصحراء .
ولعل هذا النشاط الدبلوماسي البريطاني بالدرعية آنذاك له ارتباط أصيل بعلاقات التنافس البريطاني – الفرنسي بالمنطقة عامة والهند خاصة منذ العقد الخامس من القرن الثامن عشر الميلادي حتى عهد نابليون ؛ حيث كان نابليون قد احتل مصر في وقت زيارة البعثة الدبلوماسية الإنجليزية للدرعية ؛ ويعمل على التوجه إلى فلسطين إضافة إلى نشاطه الدبلوماسي مع حاكم عُمان وزعماء المنطقة وما يشاع حول نيته التوجه إلى الهند , مما جعل بريطانيا تقوم بنشاطها الدبلوماسي المحموم بين عواصم مشيخات ودول المنطقة لتطويق سياسات نابليون وضرب خطره قبل أن يستفحل (38) ولعل مراعاتها للحذر في علاقتها مع الدرعية لا تخلو من خشيتها من إمكانية تحالف فرنسي سعودي وقد تكون رسائل نابليون للإمام سعود قد وقعت بأيدي عملائها وكشفت مخططاته وحالت دون إقامة مثل هذا التحالف بحكم أن الرسائل وحاملها لم يصلا إلى الدرعية .
ولعل الدولة السعودية الأولى والكويت كانتا آنذاك مختلفتين بشكل كامل في توجهاتهما السياسية والعلاقات الخارجية , فالدولة السعودية إلى جانب أنها تريد ضم الكويت , فقد كانت تائقة – وخاصة في عهد إمامها الثالث سعود الكبير – لإقامة علاقات وطيدة مع نابليون بعد عودته من مصر إلى فرنسا (39) ؛ بينما كانت حذرة من بريطانيا وتعلم علم اليقين أن مصالحها وطموحاتها السياسية تتقاطع تماماً مع مصالح الدولتين العظميين بالمنطقة بريطانيا والدولة العثمانية , وكانت العلاقات العدائية مع هاتين الدولتين قد وصلت إلى حد من التصادم العسكري في عدد من المناطق (40) .
وبقدر ما كانت الدرعية تائقة لعلاقات متينة مع نابليون لكسر حالة العداء الدولية حولها ؛ بحيث وصل بنوا ميشان إلى حد تأكيد أنه قد تم الوصول إلى اتفاق بين سعود الكبير ونابليون ؛ فقد كانت الكويت على علاقة تبعية للعراق والدولة العثمانية , كما أنها بدأت تتوق إلى الدخول بعمق في علاقات حميمية مع بريطانيا , ولم يكن يعيق إقامة مثل تلك العلاقات سوى بريطانيا نفسها (41) .

الفصل الثاني : العلاقات السعودية الكويتية :
كان أول نشاط معاد للكويت ضد الدولة السعودية في عام 1201هـ /1786م بحكم تبعية الكويت للبصرة وزعيمها ثويني بن عبدالله ؛ وذلك حين استقبلت الدرعية العدو القديم المشترك لها و لثويني بن عبدالله وهو الزعيم الخالدي السابق سعدون بن عريعر , والذي أسقطه تحالف خالدي منشق بقيادة أحد أخوة سعدون وهو دويحس (داحس ) بن عريعر وخاله عبدالمحسن بن سرداح بمساعدة وتدخل عسكري مباشر من قبل زعيم المنتفق , فاعتبر ثويني مثل هذا اللجوء السياسي لسعدون بالدرعية أن وراءه أهدافاً سياسية معادية للدرعية بالأحساء الذي بدا في عام 1201هـ / 1786م .
وكان النفوذ السياسي العراقي قد بدا راجحاً خاصة في شمال الأحساء ؛ فحين قرر ثويني بن عبدالله رفض التوضيحات التي أبداها الإمام عبدالعزيز بن محمد له ؛ بأن قبول سعدون بن عريعر كلاجئ سياسي لا يمثل سياسة عدائية تجاه العراق , حيث وقع ثويني اتفاقية عدم اعتداء مع الدرعية كما أسماها ابن غنام ” معاهدة ومصالحة ” , و أن الإمام لم يكن يقبله إلا اضطراراً حيث ألقى سعدون بنفسه دون أمان أمام الإمام عبدالعزيز (( ويبين أنه لم ينقض العهد )) , و لكن زعيم المنتفق بدأ يستعد لغزو شمال نجد فغزا التنومة و بريدة في ذلك العام (42) .
لقد قدمت الكويت كل المساعدات اللوجستية المطلوبة منها كتابع للعراق , فضلاً عن أن تلك المساعدات كانت تقدمها الكويت متحمسة كونها تخشى من تلك القوة القادمة من وراء الصحراء العربية . وكما يؤكد لوريمر (( وفي 1798-1799م [ 1213هـ ] كذلك في سنة 1802م [1217هـ ] سارت حملات الأتراك على الوهابيين عبر الكويت )) , حيث قامت السفن الكويتية ( 200 سفينة ) بنقل عتاد وجند القوات العراقية بجيش علي الكخيا نحو الأحساء(43).
لقد كانت سياسات الكويت تجاه الدرعية سياسة عدائية واستفزازية بشكل مستمر , ولقد ظلت هذه الروح المليئة بالعداء والمرارة من قبل حاكم الكويت تجاه الدرعية ؛ حتى والكويت خاضعة للدولة السعودية , ففي عام 1220-1221هـ / 1805-1806 م حين كان الإمام سعود الكبير في قيادة جيش سعودي كثيف قُدر بأربعين ألف مقاتل ؛ وكعادته وفق سنة محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يُعلن رحمه الله عن وجهة سير جيشه , وحين حاذى الجيش السعودي بالجهراء قرب الكويت (( سمع أهل الكويت بأنه مريد البصرة , فأرسلوا إلى المسلِّم [ المتسلم ] وأعيان أهل البصرة …يحذرونهم عن سطوة سعود بغتة . فما وصلت الخشب [ السفن ] التي أرسلها أهل الكويت إلا وقد نزل سعود قرب الزبير )) (44).
لقد قاموا بتقديم الخدمات اللوجستية ( نقل الأسلحة وعدة الحرب بين البصرة وموقع الحرب ) للجيش العراقي براً وبحراً في حربي 1211-1212هـ / 1797م و1213هـ / 1799م , كما قدموا كامل العمليات الإستخباراتية لصالح العراق ضد الدولة السعودية – فيما بعد – حتى وهم أتباع للدرعية ؛ مما يجعل مثل هذا العمل الأخير قد يكتسب صفة الخيانة العظمى.
وإذا كان ثويني بن عبدالله قد اعتبر أن قبول الدرعية لحاكم بني خالد السابق سعدون كلاجئ سياسي فيها عمل عدائي تجاهه يستحق إعلان الحرب على الدولة السعودية , وذلك من خلال حملة كبرى قام خلالها بإبادة كل الرجال بقرية التنومة السعودية شمال القصيم ؛ فمن الطبيعي أن تعتبر الدرعية أن قبول حاكم الكويت عبدالله الصباح لثويني بن عبدالله بعد أن تمكن باشا بغداد سليمان باشا من إبادة جيش ثويني الذي أباد أهالي قرية التنومة فـ ” أقام ” لاجئاً سياسياً ” ذليلاً ” في الجهراء التابعة للكويت ؛ كان من الطبيعي أن تنظر الدرعية أن هذا العمل الكويتي هو عمل عدائي أيضاً ؛ بل إن خزعل يذكر أن عبدالله الصباح حين وفد عليه ثويني بن عبدالله بعد أن رفض جميع أمراء المنطقة مساعدته ضد ابن أخيه نصحه شيخ الكويت بالذهاب إلى بغداد واسترضاء باشا بغداد وطلب العفو منه ؛ و كانت في تلك الفترة قد راجت فكرة داخل أقاليم الخليج أن الوحيد المؤهل لردع الدولة السعودية هو ثويني بن عبدالله (45)؛ مما يعني أن الكويت لها مساهمة سواء كانت جانبية أو أساسية في دعم الفكرة لدى باشا بغداد الذي كانت الدولة العثمانية تضغط عليه لتجريد حملة ضد الدرعية.
وهنا نجد أن ثويني بن عبدالله وهو لا يزال بالكويت , حيث كان لا يزال معه بقية من قوته , قد ألقى بظلال سياسته الثقيلة على العلاقات السعودية الكويتية ؛ ففي الوقت الذي اتجه الجيش السعودي بقيادة ولي العهد عام 1203 هـ / 1788م لضرب قوة ثويني وحلفاءه في ” حمض ” في معركة حاسمة وصعبة , وبعد أن تم حسمها بنصر الجيش السعودي ؛ كانت الكويت هي الهدف الثاني للحملة السعودية التأديبية للأعداء في الحدود الشمالية الشرقية ؛ حيث عسكر بمدينة ” الوفرا” أو الوفرة قرب الحدود الكويتية (46).
ولعل استمرار الاضطراب السياسي في الأحساء بُعيد التدخل السعودي , واستمرار ثورات أهالي الأحساء على النفوذ السعودي بين عامي 1204-1210هـ / 1789-1795 م ؛ إلى جانب عدم خبرة زعماء الدرعية بأحوال إمارات الخليج السياسية والاقتصادية , جعلتهم لا يتخذون إجراءات قاسية ضد هذا التحول الخطير لطريق التجارة القادم من الهند إلى أواسط الجزيرة العربية مروراً بالأحساء نحو الكويت (47) , إذ كان ازدهار الكويت على حساب البصرة ؛ كما كان أيضاً على حساب موانئ الأحساء التي تأثرت بالاضطرابات السياسية بين عامي 1200هـ/ 1785م حتى عام 1210هـ /1795م , فقامت الكويت مستغلة سقوط دولة بني خالد بإلغاء الاتفاقية التي وقعتها معها من جانب واحد دون أن تحسب حساباً للمصالح الاقتصادية للدولة التي ورثت الأحساء وهي السعودية.
ولعل الدولة السعودية لاحظت أن شيخ الكويت عبدالله بن صباح قد حرص على تأييد القوتين المعاديتين للدرعية العثمانيون في العراق وبني خالد في الأحساء ؛ إلى جانب أن الكويت قد أصبحت في تلك الفترة مأوى لكل القوى المعادية للدرعية , فأعطت ثويني بن عبدالله اللجوء السياسي عام 1201 -1202هـ /1786-1787م ؛ حيث كان يتردد بقليل من بقايا قوته بين الكويت والأحساء , كما أعطت زيد بن عريعر وإخوانه وجماعته من الذين تسببوا بتمرد الأحساء عام 1206-1207 هـ / 1791-1792م إثر قتلهم لعبدالمحسن بن سرداح ؛ اللجوء السياسي أيضاً حيث نظرت الدرعية إلى هذا اللجوء على أنه موقف معادٍ من الكويت وهكذا فعل براك بن عبدالمحسن إبان نشاطه السياسي المعادي للدرعية (48).
أضف إلى ذلك أنه يمكن أن توصف الكويت بأنها قد أصبحت ملجأ لكل القوى المعادية للدولة السعودية بالمنطقة , فحين تمكنت الدرعية من ضم البحرين إلى نفوذها فقد رحبت الكويت بكل اللاجئين من البحرين إليها كما يقول غيورغي بونداريفسكي حين (( اضطر أثرياء البحرين وذوو النفوذ من أهلها المرتبطون بآل خليفة إلى الهروب إلى الكويت )) (49).
و بغض النظر عن أسلوب وتعليقات المؤرخين القدامى من تفخيم الأحداث التي تهدف إلى رفع الروح المعنوية الوطنية , وتمجيد الزعماء أكثر منها اهتماماً بالموضوعية ؛ فإن صاحب تاريخ الكويت عبدالعزيز الرشيد قد ذكر هذه الغزوة بحدود عام 1206/1207هـ / 1791-1792م – فيما يبدو – ونزول سعود الكبير بالجهراء ثم تقدم إلى الشامية ؛ بحيث أنها ” مورد ” و “محتطب” الكويت الوحيد لفرض نوع من الحصار على الكويت وإجبارهم ” إلى التسليم دون حرب ” (50) , ولكن فيما يبدو أن الجيش السعودي انسحب دون أي تصادم مع القوة الكويتية ؛ إلى جانب أنه لم يحاول اقتحام الأسوار .
ولذلك فقد قررت الدرعية بعد عام أو أكثر تلقين الكويت درساً على سياستهم المعادية بمجرد فراغها من مشكلاتها الداخلية بالأحساء , فقد كان شيخ الكويت يرى أن تبعيته للدولة العثمانية أو حتى تبعيته السابقة لبني خالد سيعطيه قدراً ولو يسيراً من الاستقلال ؛ على عكس ما سيكون عليه الأمر في حالة تبعيته للسعوديين , فتوجهت القوات السعودية بعد فراغها من الأحساء إلى الكويت بقيادة إبراهيم بن عفيصان عام 1208هـ / 1793م , وهي الغزوة التي ذكرها مؤلف مجهول في تاريخه كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ؛ حيث ذكر أن الجيش السعودي كان قوامه ألف رجل وأنه مكث قرب أسوار الكويت حوالي ستة أيام ؛ ويبدو أن أهالي الكويت قد أعدوا قوتهم لمواجهة القوات السعودية المهاجمة لتخومهم ولكن القوات السعودية التي علمت بتحركاتهم كانت قد أعدت كميناً لهم فهزم الجيش الكويتي إلى داخل المدينة لا يلوي على شيء حتى دخلوا داخل الأسوار , ولكن الجيش السعودي لم يضع في خطته دخول المدينة أو حصارها وكانت خسائر الكويتيين ثلاثين قتيلاً وكثير من الأسلحة التي يبدو أنها أحدث من الأسلحة التي يستخدمها الجيش السعودي (51).
ومن غير الواضح إذا ما كانت القيادة السعودية قد رأت في هذه الغزوة في حدود عام 1208هـ /1793م مجرد تأديب للكويت حتى تتفرغ لها في وقت لاحق , ولعل ذلك يعطي قلة أهمية الكويت بنظر قيادة الدرعية حتى ذلك الوقت الذي لم يستتب لها الوضع بالأحساء بشكل قطعي , ولكن في المقابل فإن ذلك التمرين العسكري البسيط قد أعطى الكويت سياسة عدائية ثابتة تجاه الدرعية , وقد تبين هذا الأمر بوضوح في استخدام إمكاناتها اللوجستية من نقل بحري وبري لتسهيل العمليات العسكرية العثمانية (العراقية ) ضد النفوذ السعودي بالأحساء في عامي 1797- 1798 م/1212- 1213هـ , حيث نقل قسم من الجيش العراقي بواسطة البحرية الكويتية إلى الأحساء.
وقد قام ثويني بن عبدالله زعيم المنتفق – و الذي توسط كثير من الزعماء الإقليميين وزعماء القبائل المعادية للدرعية والمعارضين للوجود السعودي في الأحساء و الذين تم طردهم بسبب إثارتهم للفتن والقلاقل , وقاموا بالإيعاز لباشا بغداد بأن ثويني الموجود منذ سنوات بالدرعية هو الوحيد القادر على محاربة السعوديين – في أواخر عام 1211هـ وأوائل عام 1212هـ /1796م , ونظراً للموقف المعروف من الكويت تجاه الدولة السعودية الأولى فقد أقام قائد الحملة العراقية معسكر حشوده لحرب الدرعية قرب مدينة الجهراء الكويتية لمدة ثلاثة أشهر , حيث كانت اجتماعات شيخ الكويت ابن صباح مستمرة مع ثويني لتقديم المشورة لثويني بن عبدالله قائد الجيش العراقي الجديد ؛ بينما نقل بالسفن الكويتية الأسلحة الثقيلة والمدفعية من خلال البصرة والكويت نحو القطيف , بل إن الكويت أظهرت مساندتها للجيش العراقي حتى في وقت انتصار الجيش السعودي بعد مقتل ثويني مباشرة , إذ التجأ بعض الفارين من المعركة إلى داخل أسوار الكويت , وهو تصرف لا يعكس السياسة الكويتية القائمة – آنذاك – على مداهنة كل الأطراف بسبب الضعف الذي يعتري الكويت ؛ كما فعل الشيخ عبدالله الصباح حين هاجمت إيران البصرة , فنجد أنه وهو تابع للعراق يمًد الجيش الإيراني بدعم عسكري رمزي قُدِّر بمائتي جندي لاحتلال البصرة دعما لقائد الجيش الإيراني صديق خان كما أورد أحد تقارير الوكالة البريطانية في البصرة (52) , بمعنى أن الكويت يمكن أن تداهن إيران على حساب العراق وتمدها بقوات عسكرية ولكن موقفها المبدئي العدائي من الدرعية جعلها غير قادرة على تنفيذ تلك السياسة من قبيل المثل العربي المشهور ” ليس حباً بعلي ولكن كرهاً بمعاوية ” أي ليس حباً بالعراق ولكن كرهاً بالدرعية .
ورغم أن الكويت في حقيقة الأمر ملزمة بحكم تبعيتها السياسية لحاكم بغداد العثماني على تقديم تلك التسهيلات لتلك الحملة , إلا أن الكويت كانت قد اختطت هذه السياسة بحماس نكاية وخوفاً من الدولة السعودية التي بدت تهدد استقلال الكويت كمشيخة تابعة للتاج العثماني بما يشبه ما حصل لإمارة بني خالد .
وقد أدى هذا التعاون مع أعداء الدولة السعودية في حملتي ثويني بن عبدالله وعلي الكخيا إلى مهاجمة الجيش السعودي للكويت في عام 1212هـ /1797م ولعل قلة الأهمية التي أولتها الدولة السعودية للكويت في البداية جعلت بعض المؤرخين يعتقدون أنه بمجرد صمود الكويت أمام تلك الهجمات السريعة دليلاً على قوة الكويت الحربية (53) وهو أمر لا تسنده الحقائق إذ أن الدرعية لم تركز جهودها بعد لضم الكويت .
ويذكر هارفارد جونز أن الهجمات السعودية بين عامي 1208-1210هـ /1793-1795م كانت ” شبه يومية ” ؛ مما يذكرنا بسياسات الدرعية العسكرية , حيث كانت تبني حصناً عسكرياً قرب البلد الذي تنوي ضمه عسكرياً , فقد بنت قرب الرياض قصر الغذوانية , كما بنت قصر البدع قرب الخرج , وحصن وادي فاطمة قرب مكة لحصار مكة , وبنت حصن البريمي قرب عمان , وهكذا فإذا كانت كما يذكر هارفارد جونز هجمات الجيش السعودي مستمرة وشبه يومية , فإن ذلك يوجب طرح تساؤل : أن كان هناك على الأرجح قصراً قد بني قرب الكويت من جهة الأحساء لحصاره من البر حتى يجبر أهلها على الاستسلام بحيث أصبحت الهجمات للجيش السعودي شبه يومية ؟.
فيقول هارفارد (( وهناك برزت مشكلات غير قليلة فضلاً عن المنغصات التي عانينا منها .. , والتي تمثلت في الرعب شبه اليومي الذي كانت تتعرض له من جراء فرق من قوات سعود بالقرب من البلدة , أو مجرد الإخبار بظهورها ))(54) , لقد كانت الكويت – كما يصفها نائب الوكيل بالوكالة البريطانية جونز- مسكونة بهجمات الجيش السعودي : (( كانت إمدادات المياه … سيئة جداً …وأحياناً غير متوافرة ومحفوفة بالمخاطر , بسبب ادعاء السقاة أنهم شاهدوا , أو أنهم تخيلوا رؤية فرقة من الوهابيين تقترب من الآبار التي يجلبون منها المياه )) (55) , ويقول ساخراً من الوضع الأمني بالكويت والنفسية الجماعية لأهالي الكويت وحاكمها – آنذاك – مما يعني أنهم كانوا مستعدون في أي لحظة للخضوع والانضمام للدولة السعودية أسوة ببقية مشيخات الخليج العربي : (( للتعويض عن ظروف الأسى والضيق هذه كان علينا أن نسلي أنفسنا بالمناظر الكوميدية العجيبة التي تجري أمامنا حينما كانت تحدث تلك الإنذارات باقتراب الخطر . لقد كان شيخ القرين [ الكويت] رجلاً متقدماً في السن ووقوراً جداً , ويملك شخصية قيادية , ومحبوباً جداً من قبل سكان البلدة , … , كان شيخ القرين يحظى باحترام الأتراك , كما كان يتمتع باحترام أكثر من قبل العرب الذين يخضعون لابن سعود , ولكن لأن القرين كانت في ذلك الوقت الميناء الوحيد تقريباً على الساحل الغربي للخليج … الذي لم يخضع لابن سعود , فإنه كان يتطلع بلهفة إلى إخضاع شيخ ذلك الميناء , أو التوصل معه إلى اتفاق .كانت أسوار القرين على الرغم من كونها مبنية بالطين فقط , وغالباً ما كانت تنهدم أجزاء كبيرة منها خلال موسم المطر , مما يثير ذعراً عظيماً بين السكان , تُعد – على أية حال – وينظر إليها من قبل الوهابيين على أنها أسوار منيعة , كان أكثر وسائل النجاح جدوى في نظر سعود هو اعتراض … إمدادات المياه . كانت أكثر ما تحدث الهجمات إما قبل طلوع النهار بقليل , أو قبل غروب الشمس بقليل , ولذلك فإن الأشخاص الذين يكونون قد اقتربوا من الآبار ينكصون على أعقابهم ويعدون عدواً إلى البلدة حاملين الخبر المخيف , وهو إعلان ظهور العدو , وحالاً تظهر النساء المحجبات على أسطحة المنازل , ويرسلن الصراخ المعروف عند العرب والشرقيين ” لي لي لي لي ” [ وهي الزغاريد ] الذي يستخدم في حالات الفرح والخطر على حد سواء , في ذلك الحين يجتمع كل سكان البلدة حول شيخهم المبجل لمواجهة عدوهم في بعض الأحيان لا يظهر أي عدو , وفي أحياناً أخرى نستطيع أن نتبين بواسطة مناظيرنا ما يتراوح بين عشرة وعشرين شخصاً حول الآبار . وفي هذه الأحوال يتقدم كل فريق إلى مسافة معينة من الفريق الآخر ويجلس اثنان أو ثلاثة من شجعان كل فريق بعيدين جداً عن بعضهم , يتبادلون رمي الطلقات من بنادقهم الطويلة ويعد أن يحوزوا على إعجاب بعضهم … يكون الصباح قد طلع , أو المساء قد دخل , حيث تنتهي الفرجة بالنسبة لنا )) (56) .
د.صالح السعدون
رئيس قسم الدراسات الاجتماعية
جامعة الحدود الشمالية – كلية التربية والآداب

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة