نحن بحاجة ملحة إلى " أسلوب الإدارة الهجومية " في التربية والتعليم ..

نحن بحاجة ملحة إلى " أسلوب الإدارة الهجومية " في التربية والتعليم ..

منذ سنوات بدأ النقاد يوجهون سهام لاذعة لأداء وزارة التربية والتعليم سواء على مستوى القيادة التربوية العليا بالوزارة أو القيادة التربوية الوسطى في إدارات التربية والتعليم أو على مستوى القيادة التربوية الدنيا في المدارس ؛ ولعل مستوى الأداء قد أذهل

نحن بحاجة ملحة إلى " أسلوب الإدارة الهجومية " في التربية والتعليم ..

منذ سنوات بدأ النقاد يوجهون سهام لاذعة لأداء وزارة التربية والتعليم سواء على مستوى القيادة التربوية العليا بالوزارة أو القيادة التربوية الوسطى في إدارات التربية والتعليم أو على مستوى القيادة التربوية الدنيا في المدارس ؛ ولعل مستوى الأداء قد أذهل المراقبين من حيث المخرجات التعليمية , فالطلاب في كل عام جديد تصبح قدراتهم أقل وأضعف من العام السابق , والجامعات والتعليم العام ظلوا يتبادلون الاتهامات المستمرة عمن تلقى عليه المسئولية , فالتربية والتعليم تتهم الجامعات بأنها تخرج معلمين ضعاف المستوى , والجامعات تتهم التعليم العام بأنها تخرج طلابها في المرحلة الثانوية في مستويات ضعيفة للغاية . ولكن ظلت المخرجات ضعيفة على أية حال ثم جاءت التقارير الدولية لتلقي الضوء على مستوى الخلل .
في محاضرة ألقاها صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل في كلية التقنية بعرعر في الجمعة 19/1/1430هـ على المفكرين وقاده العمل التربوي والمشرفين والمشرفات في منطقة الحدود الشمالية وتركز هذه المحاضرة على الواقع التربوي وكيف يجب أن يكون. تحدث فيها سموه عن تجربة مدارس الفيصل وكيف أن التربية والتعليم مسئولة مسئولية مباشرة عن حل مشكلات الشباب بل وحل مشكلات الوطن برمته ؛ ولكننا وجدنا حديثاً من قبل مسئولي التعليم كمن يغرد خارج السرب , فالمواطن والطالب والمعلم ومشكلات البطالة والاقتصاد وحتى التقارير الدولية كلها تنبئ عن كارثة حقيقية يكون التعليم ومسئوليه المسئول الأول عنها .
وقد ذكرني حديث مسئولي التعليم بما كتبه معالي وزير العمل د. غازي القصيبي في كتابه "حياة في الإدارة " عن الإدارة الهجومية , حيث يقول إن الأسلوب الهجومي يختلف عن الأسلوب الدفاعي , وقارن بين الأسلوبين قائلاً " الإداري الهجومي لا ينتظر القرارات ولكن يستبقها ؛ والإداري الدفاعي يحاول أن يبتعد عن اتخاذها . الهجومي لا ينتظر حتى تتضخم المشاكل ؛ أما الدفاعي فلا يتعامل مع أي مشكلة إلا بعد أن تتخذ حجماً يستحيل معه تجاهلها . الهجومي لا يدير المؤسسة من مكتبه ويحرص على أن يكون في الموقع أكبر وقت ممكن ؛ أما الدفاعي فلا يغادر مكتبه إلا في المحن والأزمات . الهجومي يعتبر نفسه مسئولاً عن تطوير الجهاز وإصلاحه ؛ أما الدفاعي فلا يرى لنفسه مهمة تتجاوز الإدارة اليومية . الهجومي لا يخشى أن يكون موضع جدل ؛ أما الدفاعي فيتجنب كل ما يثير الجدل … الهجومي لا يسمح للمعارضة أن تثنيه عن موقفه ؛ أما الدفاعي فيتراجع عند اصطدامه بأي جدار ؛ لعل الفارق الكبير أن الهجومي لا يهمه أن يخسر وظيفته أما الدفاعي فكل شيء يهون لديه في سبيل البقاء في موقعه .." ص97 .
إن هذه الفقرة من هذا الكتاب القيم للغاية تستقرئ واقع وزارة التربية والتعليم خلال عشر السنوات الماضية من إتباع الأسلوب الدفاعي بالإدارة ؛ كما تشير إلى حاجة الوطن الملحة إلى استخدام الأسلوب الهجومي بالإدارة . لقد مضى على وزارة التربية والتعليم حقبة أليمة كان جل مسئوليها إن لم يكن كلهم يتصفون بالأسلوب الدفاعي , فلا تطوير ولا قرارات كبرى جريئة , ولا حل للمشكلات حتى تضخمت وأصبحت مستحيلة الحل حتى تمكنت الدولة من إجراء تغيير جذري بالوزارة , قاموا بمهمات روتينية وراء مكاتبهم حتى في الأزمات وكان التمترس خلف الوظيفة والمحافظة عليها هو الطابع الغالب في الحقبة الماضية .
أما هذه الحقبة الجديدة التي نتمنى لها نجاحاً مبهراً فإن هذه القيادات الجديدة يفترض التربويون أنها مطالبة بالعديد من متطلبات القيادة التربوية التي تعتمد الأسلوب الهجومي , نريد جرأة في الطرح واللامبالاة بإثارة الجدل , ننتظر قرارات إدارية وتعليمية وتوجهات جديدة صعبة وجريئة وقوية فلا يلتفت للمعارضة أن تثنيه عن تطوير البلد إلى آفاق جديدة وفق السياسة التعليمية المرسومة , ننتظر من القيادات الجديدة أن تستبق الأحداث فلا تنتظر المشكلات لتقوم بالتصحيح وإنما تتوقع المشكلة قبل حدوثها وتقوم بدرهم وقاية خير من قنطار علاج كما يقول المثل , يجب عليها ألا تنتظر تضخم المشكلات والفشل ثم تقوم باستئصاله ؛ بل عليها أن تحارب الفشل حرباً شعواء لا هوادة فيها في كل موقع ومستوى وصعيد فإذا طهرنا مؤسساتنا التربوية من الفشل فنحن قمنا بتحفيزها تلقائياً نحو النجاح الذي يجب أن نصنعه ولا ننتظره كمولود يولد بل نحضر جو المؤسسات والمختبرات التربوية لتفجير طاقات النجاح من كافة عناصر العملية التربوية والتعليمية . نريد قيادات تدير المعركة من الميدان ومسرح الحرب التعليمية والتربوية في المناطق والمحافظات وفي إدارات العليم والمدارس وليس من المكاتب أو من خلال صور الأقمار الصناعية , حينها فقط سنعوض عشر سنوات عجاف أكلن كل جهدنا في تلك السنين السمان الخوالي .
د.صالح بن محمود السعدون
مدير عام التعليم الأسبق بمنطقة الجوف

الكاتب د.صالح السعدون

د.صالح السعدون

د.صالح السعدون مؤرخ وشاعر وأكاديمي / لدينا مدرسة للتحليل السياسي غير مألوفة..

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة